Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

« La nuit de la fuite | Page d'accueil | Domino Tuniso-Egyptien »

vendredi, 04 février 2011

Soucis de terroir natal (6)

Bouazizi.jpg

في البدْء كانَ النّار 
محمد الرفرافي
2011-01-21
نشر في صحيفة القدس العربي اللندنية

 نار 'البوعزيزي' لم تكن بردا وسلاما على نَمْرُود قرطاج، فكان الذي كان..

 والبوعزيزي، بإحراق جسده، لم يكن يقصد إعادة إنتاج رمزية النار التي منذ اكتشاف الإنسان الأول لها لم تنفك عن أن تكون بداية الطاقة ومُنْتهاها... ولأن للنار بريقها الأوحد، سَكَنَتْ على الدوام رؤى البشر ومشاعرهم... قديما، عَبَدها البعض، وسخّرها البعض الآخر لطقوس التقرب من كائنٍ أعلى، إلى أن جاء بْرُومِثْيوس لكي يسرقها ويمنحها إلى مخلوقات الأرض مما أدى إلى غضب زْيوس عليه... صحيح أنها مع عقائد التوحيد صارت النار مقترنة بالوعيد، (...ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا، سورة الجن 23) لكنها تبقى وفق هذه الآية، العنصر الخالد والمطهر المطلق لكافة الآثام... والبوعزيزي، الذي قالت أمُّه عنه أنه لم يكمل دراسته الثانوية لكي يُعيل عائلته، أدرك بالفطرة قدرة النار على التطهير وأيضا على التعبير.
التطهير؟ نعم لأن من ثقافته الذكورية الموروثة، ذلك المثل الشعبي الرائج: 'النار ولا العار' والعار لَحِقَه كذَكَرٍ عربي من صفعات يدِ أنثى (شُرْطية البلدية) تلقّاها على وجهه أمام جمع من الناس. إذن فهو عارُ اغتصاب معكوس لِشرف الرجولة ولا بد من تطهيره.
التعبير؟ نعم أدرك أن احتراقه، بقدر قسوته بقدر بلاغته في التعبير، هي آخر رسالة حاسمة منه تجاه الجميع بعد أن خصّ والدته مُوَدِّعا برسالة أخرى على صفحات الفايس بوك باللهجة العامية، يبكي فيها حظَّه التعيس من هذا 'الزمان الغدّار في بلاد الناس'... رسالته الحارقة هذه والرافضة للذل والمهانة أكثر من رفضها للفقر والبطالة، وهي التي تلقاها نمرود قرطاج بالقول 'فَلْيَمُتْ'، وفق ما ذكره في ما بعد أحد المقربين منه، هذه الرسالة انتقلت في الشارع التونسي مثل شحنة كهربائية صاعقة أتَتْ على اليابس من النظام القائم الحاكم ولم تأت على الأخضر من أحلام شعبه. هذا الشعب الذي كان لسنوات طويلة يتوق إلى الانعتاق من سلطة غريبة الأطوار إذ تجمع بين اللصوصية والقبضة الأمنية، بين الانفتاح الكومبرادوري على الخارج والانغلاق السياسي على نفسها، اختزن طاقةَ غليانٍ لم تكن تتسرب منها سِوى دلائل واستعارات لغوية لعلّ أبلغها وصف الشبان العابرين سِرّا إلى الشمال عن طريق البحر بكلمة 'الحارقون' وهي نفس الاستعارة في توصيف من يخرق شارة المرور الحمراء بعبارة 'حرق الضوء' الأحمر... وبالفعل فتحويل الحرف الأول من خرق إلى حاء، فتصبح حرق، يجعل وعلى نحو معكوس احتراق البوعزيزي اختراقا للسائد بفعل غير مألوف.. وكان الذي كان..
ومن 'حظ' البوعزيزي أنه ترك وراءه عائلة تمكنت من أن ترى بدلا عنه ما لم ولن يراه بعد غيابه، ليس فقط وصول لهيب جسده إلى قرطاج، التي سبق أن أحرقها الرومان قديما، بل وأيضا إلى مفاصل النخب السياسية والثقافية الجامدة والمُجمَّدة بفعل سنوات الخوف والتخويف... هذه العائلة التي تتقدمها الأم الثكلى التي رددت مع ابنتيها في جنازة ابنها 'يا ناري على وليدي' 'يا ناري على خويا'، رأت أيضا كيف انتقل لهيب نار البوعزيزي، وكأنه شعلة أولمبية، من بلد عربي إلى آخر، لتلتهم عشرة أجساد عربية أخرى حاول أصحابها إعادة إنتاج معجزة النار، أملا منهم في استنساخها عربيا. 
البوعزيزي لم يكن السباق في تاريخ الإنسانية، والانتحار بالنار احتجاجا ضد أمرٍ ما، هو ظاهرة يعرفها التاريخ القديم والحديث. وكان آخرها على مدى قرن مضى، انتحار الموسيقي الأميركي ملاتشي ريتشر سنة 2006 في شيكاغو احتجاجا على غزو العراق. وقبله كان انتحار الراهب الفيتنامي ثيك كانغ دوك سنة 1963 عن عمر تجاوز السبعين سنة، احتجاجا على قمع البوذيين. مرورا في ما بعد بانتحار الأستاذ البولولني ريزارد سيوياك (1968) و التشيكي، الطالب في الفلسفة، جان بالاش (1969) والليتواني روماس كالانتا (1972) وثلاثتهما انتحروا احتجاجا على الهيمنة السوفياتية. ثم ذاك الرجل الياباني تَكَاوِي هِيمُورِي (عمره 54 عاماً) الذي قرَّرَ سنة 2002 أن يموت من أجلنا نحن العرب، احتجاجا على جرائم إسرائيل وعلى حصار الرئيس عرفات، وذلك بإحراق نفسه في حديقة عامة في طوكيو.
غير أن كلَّ حالات الانتحار حرْقا هذه، وأخرى غيرها، لم تكن تُسفر عن ثورة كالتي حدثت في تونس وكان احتراق البوعزيزي فتيلَ لهيبها.
وقد اعتادت تونس، كبلد متواضع الموارد الطبيعية، الاعتماد على استيراد الكثير من المواد المادية والتكنولوجية، وأيضا على استيراد السياح والموضات وحتى الأفكار وبعض الأيديولوجيات، إلا أنها توصلت هذه المرة إلى إنتاج ثورة شعبية بصنع محلي صرف (Made in Tunisia). ثورة تزاحم الجميع على اختيار اسم لها. والتسمية فيها شيء من التّملُك والترويض.
ومن هنا جاءت تسميتها من طرف الفرنسيين بثورة الياسمين. صحيح أن نزوع الغرب الحديث إلى إضفاء نوع من الشاعرية على أحداث جسيمة كالثورات، ليس جديدا. فهو قد سمى الثورة البرتغالية في السبعينات بثورة القرنفل، ومثيلتها في أوكرانيا بالثورة البرتقالية، واتخذ من الورد شعارا لصعود اليسار في فرنسا، وها هي فرنسا تطلق اسم ثورة الياسمين على تونس ويتلقفها بعض التوانسة الفرانكفونيين بلا تردد. صحيح أن الياسمين زهر رائج في ربوع تونس وخصوصا في مدن سواحلها. وهو تقريبا الزهر الوحيد الذي كان ولا زال رجال تونس، ومنهم والدي، يهدونه إلى زوجاتهم. وكم نمت صغيرا على رائحة الياسمين، التي بقيت إلى اليوم هي رائحة طفولتي الأزكى... لكن وفي رأي أكثر التوانسة فإن نعومة هذه الزهرة وموسميتها الصيفية، وذبولها صباحا بعد يُنوعٍ قصير وارتباطها بالسّياحة والسُّياح، كل ذلك يتعارض مع ثورة تونس الحارقة والخارقة والجارفة... كان ممكنا استعارة الزيتون الذي يعد بالملايين في تونس، ومنه يستخلص زيت القناديل.. أو النخيل، وهو أيضا بالملايين، على اعتبار أن النخلة شجرة سامقة، مثل قامة الثائر والشهيد.. غير أن للقيروانيين رأيا آخر أكثر إفحاما: إنها ثورة الصَّبار. وهي نبتة معروفة بصبرها على العطش مع احتفاظها بنضارة خضراء دائمة وبشوكٍ لا يرحم قاطِفَها... وهي سمات تستقيها من مخزونها الشّمسي المُرَكّز. وها أنا أعود من جديد إلى عنصر النار التي منها بدأ كل شيء.
محمد الرفرافي
شاعر وإعلامي تونسي

00:15 Publié dans actu, En arabe | Lien permanent | Commentaires (0) |  Facebook | |