mardi, 07 novembre 2006

Soucis de terroir natal

medium_Satellite_image_of_Tunisia_in_August_2001.2.jpgExceptionnellement, j'introduis ci-après une note écrite dans ma langue maternelle, l'arabe. La raison est ‎simple, cette note parle d'une date, celle d'aujourd'hui, qui célèbre le 19ème anniversaire du "Changement du ‎‎7 novembre 1987" en Tunisie, mon pays d'origine. La teneur de cette note intéresse tout particulièrement un ‎lectorat autochtone dont certains lecteurs sont exclusivement arabophones.‎
‏--------‏


التغيير: لماذا، كيف وإلى متى ؟






سألني أحدهم ذات يوم من أيام العهد البورقيبي: هل أنت معارض؟ فأجبته: نعم أنا معارض بالثّلاث. ‏فقال: كيف ذلك؟ قلت: أنا معارض للنظام ومعارض للمعارضة ومعارض للشّعب. فردّ مستغربا: ‏للشّعب؟ فقلت: ولم لا؟ مادام هذا الشعب مازال متخلفا على كذا صعيد، فكيف لا أعارضه؟ فتلاشى ‏استغرابُ محدثي قليلا قبل أن يُجدِّدَ السؤال قائلا: طيّب، وكيف أنت معارض للمعارضة؟ فقلت: لأن ‏خطابها خطاب سلطة ولو مُؤجلة، خطاب إطلاقي أو إقصائي...‏
هذا الحوار أسوقهُ لتوضيح مبدأ كنتُ وما زلت حريصا على إتباعه لكي أحقق كمبدع ومثقف حر، ‏نوعا من الاستقلالية الايجابية تجاه المؤسسة السياسية –الرسمية منها والمعارضة- ولكن دون انقطاع ‏أو قطيعة، وأيضاً استقلالية إيجابية تجاه نبض الشارع ولكن دون تعال أو تجاهل. ‏
اليوم، وتونس تبدأ عامها العشرين بعد السابع من نوفمبر 1987، أجدني أقف لأقرأ تفاعلي مع هذه ‏التجربة التي كنت فيها قريبا-بعيدا، يراني فيها بعضهم منتميا ويراني آخرون معارضا. منتميا لأني ‏لم يسبق أن انخرطت في حركة معارضة –سلمية كانت أو عُنْفِية- ومعارضا لأني لم أحمل يوما ‏بطاقة التجمع الدستوري الديمقراطي (الحزب الحاكم). لا أنوي الانخراط هنا في عملية مسح تاريخي ‏لمسيرة النظام الحالي ولا لمساري الشخصي على مدي نحو 20 سنة خلت. لكن سأكتفي بالتوقف ‏قليلا عند محطات ثلاثة اعتبرها مفاصل أساسية في تقاطع مسيرتي بالمسار العام.‏

محطات

المحطة الأولى كانت حماسية وواعدة. حيث ما أن تم الإعلان عن عزل الرئيس الأسبق الحبيب ‏بورقيبة وبداية ما سمي بالعهد الجديد تحت شعار التغيير، حتى تنفست الصعداء مع غالبية مثقفي ‏أبناء جيلي الذين عانوا معي طويلا من وطأة الخطاب البورقيبي الأبوي الزجري، ومن مضايقاته ‏الأمنية الغُفلى تجاه المثقفين. وعلى مدى العامين الأولين لم أرَ، لا في باريس ولا أثناء تواجدي ‏المتواتر في تونس مَنْ استهجن هذا التغيير وأقصد هنا مِن أفراد النخبة المُثقفة غير البورقيبية، وليس ‏من نخبة النظام البورقيبي التي سايرت التغيير تماشيا مع صانع هذا التغيير أي الرئيس بن على الذي ‏كان هو نفسه على رأس حكومة النظام السابق، بل والابن البار الذي استلم المشعل من أبيه الروحي ‏من غير أية مواجهة دموية مع أي كان. هذه المحطة الأولى التي عايشتها كغيري من المثقفين، ‏شهدت بُعْدا مهنيا في تفاعلي معها وكان ذلك عبر العمل كمراسل سياسي من باريس لصحيفة الحرية ‏‏(لسان التجمع الحاكم) لمدة أشهر قليلة انتهت باستقالتي منها احتجاجا على تدخلات أحد المسؤولين ‏المخضرمين بشكل تسلطي وفَجّ في عملي كمراسل صحفي له تجربة على المستوى العربي ‏والأوروبي كافية لكي يعمل بحرية مسؤولة دون وصاية أو توجيه. هذا الأمر جعلني ألاحظ بأن ‏العقلية السائدة رسميا لم تتغير حتى ولو كان الشعار هو التغيير.. طبعا كان ذلك أحد المؤشرات وثمة ‏غيرها مما ليست شرطا ذات مساس مباشر معي.. لكن كلها كانت تشير إلى عائق أساسي كان ‏ملازما لتجربة وطنية جديدة نادت بالتغيير وهي معتمدة على بعض أناس لا حاجة لهم به بل ومنهم ‏من قاوموه حفاظا على مكاسبهم السابقة..‏
ابتعادي دام نحو خمس سنوات تفرغت أثناءها لمعايشة الحدث العربي (حرب الخليج الثانية) ‏وتداعياته الأوروبية بشكل خاص.. إلى أن استرجعت في أواسط التسعينات (القرن الماضي) خيط ‏التواصل مع تونس ولكن عبر الثقافة هذه المرة. وكانت تلك هي المحطة الثانية. إذ ما أن لبيت دعوة ‏لحضور ندوة عقدها فرع اتحاد الكتاب التونسيين في مقر التجمع في باريس حتى فوجئت بتنوع ‏الحضور من حيث الانتماءات والتوجهات بل وحتى إدارة فرع الاتحاد كانت تضم أعضاء من أغلب ‏التيارات (عدى الإسلاميين) ومن أسماء ذات سمعة عربية وأوروبية..وباقتراح البعض وبإلحاح ‏البعض الآخر، انضممت ككاتب وشاعر، ولأول مرة في حياتي، إلى اتحاد الكتاب التونسيين - فرع ‏أوروبا ومنه إلى "اللجنة الثقافية التونسية" في باريس.. وبذلك شاركت في بعض التظاهرات الثقافية ‏في كل من باريس وتونس.. ثم سرعان ما بدأت المفارقات تتضخم خاصة عندما تم اختياري رئيسا ‏لفرع الاتحاد وأيضاً للجنة الثقافية.. ولأن التفاصيل المثيرة كثيرة قد تحتاج لوحدها توثيقا أخرَ ‏وتوقيتا آخر، اكتفي بالقول أني سرعان ما انسلخت عن اللجنة الثقافية بسبب تدخل فرع التجمع في ‏باريس على نحو تسلطي وفرض أشخاص من الجالية اليهودية التونسية المقيمة في فرنسا ممن لا ‏علاقة لهم بالثقافة كنشاط أو ممارسة.. ومن إحدى نتائج هذا الانسلاخ تحفظ وزارة الثقافة آنذاك في ‏اقتناء نسخ من ديواني الشعري المنشور سنة 1996 في باريس (راجع العمود الأيمن من هذه ‏المدونة) وفق الكمية المقررة رسميا (300 نسخة) وهو حقٌّ لي ككاتب تونسي تمّ هضمُهُ بشكل ‏مقصود. كما انسلخت عن فرع اتحاد الكتاب بسبب سياسة رئاسة الاتحاد في تونس التي كانت تتعامل ‏مع الفرع وكأنه وكالة أسفار مُلْحقة بفرع التجمع في باريس.. ولم ينفع اتحاد كتاب تونسيي أوروبا ‏المستقل الذي أسسته بمعية غالبية أعضاء الفرع المنسلخين هم أيضاً عنه، في استعادة التواصل ‏الثقافي مع تونس. إذ باستثناء تظاهرة يتيمة تمت في باريس بمساعدة مشكورة والحق يقال من "وكالة ‏الاتصال الخارجي" بتونس، لم يتمكن هذا الاتحاد المستقل، من الصمود بسبب انعدام الإمكانيات (وكم ‏دفعت من جيبي الخاص من أجل سير عمل هذا الاتحاد المستقل، بل وسبق أن حصل لي ذلك أيضاً ‏مع الفرع) وأيضاً بسبب مناورات رئاسة الاتحاد في تونس آنذاك التي اعتبرت الاتحاد الجديد بمثابة ‏انقلاب أبيض على الاتحاد الأم (المُسّير بعقلية الأب) فاستمالت بعض أعضاء الاتحاد الجديد والنتيجة ‏كانت انفلاش هذا الأخير، الشيء الذي دفعني أيضاً إلى تعليق عضويتي في اتحاد الكتاب في تونس. ‏ورغم ذلك مازال الموقع الالكتروني لهذا الأخير يضع اسمي كرئيس لفرع الاتحاد في أوروبا.‏‎‏‎ ‎
المحطة الثالثة والأخيرة كانت هي أيضاً نسبيا قصيرة (1999-2001). وقد شهدت مسعاي إلى جعل ‏مجال الإعلام أداة تواصل من جديد مع الساحة التونسية. وتجلى ذلك عبر مساهمتي في صحيفة ‏‏"الصريح" التونسية الأسبوعية المستقلة (والتي صارت يومية فيما بعد)، وهنا أثمن دور صاحبها ‏الكاتب والإعلامي الكبير الصديق صالح الحاجة. كما تجلّى عبر إدراج تونس في حلقات برنامج ‏‏"فضاء الأنوار" الثقافي الذي كنت أعده وأقدمه على شاشة قناة "شبكة الأخبار العربية" (إي آن آن) ‏التي تبث من لندن. وأيضاً عبر خدمات إعلامية وفنية خصّصتها لبعض المهرجانات الثقافية ‏وبخاصة مهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية وأيضاً مهرجان المدينة. وربما كتتويج لهذا ‏التواصل مساهمتي مع بعض الإعلاميين التونسيين في باريس، ومنهم أصحاب إذاعات محلية، في ‏حملة ترشيح بن على لانتخابات الرئاسة سنة 1999. كانت مساهمتي مبنية آنذاك على إقتناعين ‏أساسين: أولا أنها كانت آخر ولاية لابن على قبل أن ينقح الدستور لاحقا وثانيا أنه لم يتبلور بديل ‏معارض ببرنامج سياسي واضح ومغاير وحتى خطابات المرشحين المنافسين لم تكن آنذاك سوى ‏صدى لخطاب مرشح التجمع. والمصدر أولى من صداه.. كنت أراهن أيضاً آنذاك على أن تتسع ‏دائرة التعددية لتشمل تيارات أكثر جذرية وتسفر الولاية الأخيرة لبن على عن تحول حقيقي نحو ‏الديمقراطية التعددية.. لولا ما طرأ من أحداث دولية جسيمة وأولها أحداث 11 سبتمبر مما أعاد خلط ‏الأوراق من جديد، داخليا وخارجيا. وكي أنهي معطيات هذه المحطة الثالثة أقول إنها انتهت أيضاً ‏بشيء من الإحباط الذي حدث على إثر ضياع 4 حلقات من برنامجي "فضاء الأنوار" كانت وكالة ‏الاتصال الخارجي قد تكفلت بإيصالها إلى قناة (إي آن آن) في لندن ولكنها لم تصل. وقد كانت ثمرة ‏جهد تواصل بضعة أشهر وشمل نشاط لشخصيات فلسطينية فنية كانت في زيارة لتونس.‏

مكاسب

المغزى من استعراض هذه المحطات هو محاولة لتبيان موقعي كمثقف تونسي اختار العيش في ‏الهجرة لا لكي ينفصل عن منبعه كليا بل للتفاعل معه بهدف إثرائه بأقصى ما يمكن من الاستقلالية ‏الايجابية.. وربما استعمالي لهذه المدونة لنشر هذا الموقف، إنما يأتي كتحقيق فعلي لهذه الاستقلالية، ‏دون الحاجة للجوء لأي جهة إعلامية قد أُحْسَبُ عليها أو قد تتحفظ على بعض ما أقوله.. ومن هنا ‏أجدني أتحمل وحديَ وبكل حرية مسؤولية ما أقول..‏
في الواقع ومنذ بداية السبعينات عودت نفسي وأنا شاب، على اعتناق القضايا التي تتجاوز حدود ‏واقعي المباشر، وبالتالي انطبع الخطاب البورقيبي في ذهني وكأنه خطاب عائلي وأحيانا بروفينسيالي ‏وفي أحسن الأحوال دولي، ولم أكن أشعر قط أنه يترجم إحساسي العميق بهويتي العربية-الإسلامية، ‏مع أن بورقيبة كان في الستينيات هو الذي زكّى التجربة الجزئية في تعريب التعليم (أدبيا وعلميا) ‏وكنت أنا أحد المنتفعين من هذه التجربة وكان الأستاذ راشد الغنوشي (زعيم حركة النهضة حاليا) ‏أحد من درَّسَنِي الفلسفة الإسلامية في فترة (الستينيات) كان النظام البورقيبي يناصر فيها قضية السيد ‏قطب ضد جمال عبد الناصر. لا أنوي الاستفاضة هنا في سرد وقائع نظام بورقيبة، وهي معروفة، ‏وإنما فقط لكي أصل إلى ما وجدته ايجابيا في مسار تجربة السابع من نوفمبر. ومن ذلك على سبيل ‏المثال وليس الحصر، إعادة عقارب الساعة التونسية إلى زمنها العربي-الإسلامي: إعادة فتح جامعة ‏الزيتونة (بعد أن أغلقها بورقيبة)، تكريس الطابع التراثي في مجال الإعمار، تعريب متنامي لإدارة ‏الكثير من القطاعات الحيوية، تكثيف العلاقات الثقافية مع العالم العربي، عدم الانخراط في سياسة ‏المحاور العربية (كما فعل بورقيبة سابقا) وأبرز مثال على ذلك موقف بن على من حرب الخليج ‏الثانية.. وعلى صعيد شخصي استطيع أن أجزم بأني، وعلى عكس ما عشته في ظل نظام بورقيبة، ‏لم أتعرض في كل زياراتي لتونس، لأي مضايقات من أي نوع كانت حتى لما كنت في أوج خلافاتي ‏مع بعض من جاء من تونس إلى باريس ليمثل التجمع أو الإدارة التونسية وهو يتخيّل أنه على مثقفي ‏تونس (القلائل في باريس) أن يهرعوا إليه بدل أن يأتي هو إليهم وفق مُهمّته التي يتقاضى عليها ‏أجراً من أموال دافعي الضرائب في تونس. بالمناسبة، وتأكيدا لما سبق لي أن ذكرته في البداية، ‏هناك أيضاً من المعارضين من له نفس العقلية، إذ كيف يعمد أحدهم إلى تأسيس تجمع أو حزب في ‏المهجر ولا يسعى للاتصال مع مثقفي بلده على الأقل للاستفادة من آرائهم حتى ولو كانت مغايرة، ‏خاصة حين يختار كلمة تجمع لاسم تنظيمه.. فمن يريد أن يجمعَ إذن؟
طبعا لا يكفي ما سُقْته قبل قليل لأن يكون صكَّ اعتراف بسياسة نظام في ظل وضع يتداخل فيه ‏المحلي بالإقليمي والإقليمي بالدولي.. كما أن السلبيات التي يمكن أن أسوقها لا تُبرر هي الأخرى ‏وضع النظام برمّته وعلى مدى نحو 20 عاما من الحكم في دائرة اللاشرعية المطلقة. وتكفي عبارة ‏‏"كما كنتم يولى عليكم" لكي لا يفصل الواحد منا نظاما عن كوادره الأصغر وعن قاعدته وعن باقي ‏أفراد الرعية المنسحبة أو المسحوبة من ساحة المواطنة وبالتالي من ساحة الرأي العام المؤثر كما ‏هو الحال في البلاد العربية.. ومع هذا ورغم عدم معايشتي المستمرة لسياسة النظام لا من داخله ولا ‏من داخل البلاد، ورغم اقتناعي بأن ما من بلد عربي يمكن أن يتميز بأي شيء في سياق عربي بائس ‏وسياق دولي مضطرب، فإن لديَّ، في هذا اليوم الذي تدخل فيه تونس "التغيير" بداية عامها العشرين، ‏كثيرا من التساؤلات والانشغالات، ومن ذلك مثلا: هل هناك تغيير يدوم عشرين سنة؟ ألا تتعارض ‏الديمومة مع التغيير؟ ألم يأت السابع من نوفمبر لكي يلغي أساسا "التأبيد" البورقيبي؟ لكن ما دامت ‏زمنية أعمار الشعوب قد تبرر ما يمكن أن يبدو طويلا في عمر الفرد، فيجدر طرح أسئلة من نوع ‏آخر تتناول صلب التجربة في شموليتها.. ومن ثم طرح البدائل استنادا إلى مكاسب يجب عدم ‏التفريط فيه ومكاسب أخرى يجب تحقيقها. وهذا مسعى على قوى سياسية أن تطرحه إذا فكرت في ‏طرح نفسها كبديل.. أما دوري كمثقف يهتم بالسياسة (في مقابل السياسي الذي يهتم بالثقافة) فقد ‏يقتصر على نقد بعض الظواهر التي تبدو ذات دلالة أو إجراءات ذات أهداف محددة.. مع استبعاد ما ‏يحلو لبعض المعارضين المهووسين والغاضبين الهامسين ترديده في كل مناسبة حول بعض تفاصيل ‏‏"حياة الرئيس الشخصية" أو "دور عائلته في اقتصاد البلد" وهي في ظل غياب ما يكفي من الشفافية ‏اهتمامات مستندة على الإشاعة أكثر منها على شيء آخر، فضلا عن كونها لا تؤخر أو تقدم في ‏شيء، مثلها مثل إطلاق الشتائم الأخلاقية.‏

من النشرة إلى النهضة

حين أشاهد من موقعي خارج تونس النشرة الجوية على شاشة قناة سبعة وأرى كيف تبدو البلاد ‏التونسية خضراء أكثر من حقيقتها الطبيعية عبر خريطة القمر الصناعي أتساءل من هو المسؤول ‏العبقري الذي يستبله القاصي والداني، الكبير والصغير ويعمد إلى تخضير الخريطة وفق ما يمليه ‏عليه النفاق والادعاء الكاذب؟ هل هكذا يتم نشر صورة تونس عبر فضائية دولية على من باتت ‏خريطة العالم في متناولهم مباشرة وبالتفصيل الدقيق على شاشات حواسيبهم. ألا يشكك هذا التزويق ‏في مصداقية الإعلام الرسمي فيشمل تزويق حقائق أخرى؟ وحين أفتح موقع التلفزة التونسية ‏الالكتروني وأجد أن الفرنسية هي اللغة الوحيدة لعرض برامج القناة أتساءل من هو العبقري الآخر ‏الذي اختار لغة (أي الفرنسية) ترتيبها السابع في شبكة الانترنيت على لغة (أي العربية) ترتيبها ‏الخامس؟ أين ذهب التعريب؟ وهل ما زال هناك في دوائر الإعلام الرسمية من يحن للمقيم العام ‏الفرنسي؟ وما ألمانع من تعدد اللغات، بما في ذلك الفرنسية، في هذا الموقع الخدماتي؟ حتى فرنسا ‏نفسها اضطرت إلى إصدار قانون (قانون توبون) يمنع استعمال لغات أجنبية على واجهات المحلات..‏
وبالاقتراب أكثر من الساحة التونسية التي لم انقطع عن زيارتها.. أجدني ألْصَقَ بهموم أكثر خطورة ‏وذات علاقة بواقع الأمن الاجتماعي المتفاقم عكْسا مع الأمن السياسي.. حين أعلم أن أربع صبايا ‏فقط من عائلة واحدة التي هي عائلتي، تعرضت كل واحدة منهن على حدا في وضح النهار إلى ‏عملية سلب تحت تهديد سلاح أبيض من طرف قطاع طريق، ثم اكتشف فيما بعد، وبفضولي ‏الصحفي أن هذه الظاهرة باتت شائعة وشبه منظمة بل وكثيرا ما تتم بالتواطؤ مع بعض أعوان الأمن ‏الجشعين، إلى حد أنها تحولت في حالات أخرى إلى عمليات هجوم جماعي بما يشبه السيوف على ‏راكبي وسائل نقل عمومي أو على أناس في تجمعات أفراح الزفاف. حين أعلم ذلك أقول: صحيح أن ‏تونس تفادت بقبضة أمنية حديدية انزلاق شارعها نحو عنف سياسي إسلامي مسلح على الطريقة ‏الجزائرية، لكن ماذا عن هذا العنف الاجتماعي الذي تحول إلى آفة لا تقل خطورة عن العنف ‏الآخر.. وحين أسمع من مسؤول أمني صغير أن استجابة تونس لمطالب منظمات حقوق الإنسان ‏الدولية حتم عليها التعامل برفق مع الموقوفين (المفترض السياسيين منهم) وكان الحديث حول قاطع ‏طريق جيء به مدمي الوجه والأطراف على أيدي من مسكوه، فتم إطلاق سراحه وتوقيف هؤلاء ‏بدلا عنه.. أقول تونس "الآمنة" إلى أين تسير؟ أليس أجدى بأعوان الأمن التركيز على قُطّاع الطرق ‏بدل ملاحقة فتيات متحجبات لأسباب لا علاقة لها في رأيي بالطائفية وإنما بدوافع إيمانية صادقة أو ‏بدوافع أخلاقية من أجل الزواج أو كتعويض رمزي عن تعبير سياسي مصادَر مدنياً..‏
هذا الموضوع يقودني رأسا إلى ما تضمنه خطاب الرئيس بن على قبل 3 أيام والذي أكد فيه على ‏ضرورة الحوار بين الحضارات والثقافات والذي يراه "خير درع للحفاظ على الثراء الإنساني ‏ولتعزيز القيم المشتركة وحمايتها" لأتساءل ما ألمانع إذن في فتح مثل هذا الحوار أيضاً بين مختلف ‏التيارات الفكرية والسياسية والعقائدية داخل البلد الواحد.. وأن تنخرط تونس على مدى سنة التغيير ‏العشرينية القادمة في عملية مصالحة واسعة وهادئة مع كل من يُبدي استعدادا لذاك من مختلف القوى ‏السياسية غير المعترف بها ومن ضمنها حركة النهضة التي في اعتقادي لا يمكن تصنيفها ضمن ‏حركات العنف المسلح على الأقل على ضوء مواقف وتصريحات زعيمها راشد الغنوشي والتزامه ‏بقوانين بريطانيا التي تحتضنه. وللتوضيح أقول أن حديثي عن الغنوشي لا يعني بأية حال قيام أي ‏علاقة بيني وبينه عدى تلك التي أشرت إليها أعلاه وآخر عهدي به كان في إطار عملي الصحفي بعد ‏أن أفرج عنه الرئيس بورقيبة مع الحبيب عاشور في سنة 1981. وهذا لا يعني طبعا أني أتحاشى ‏ملاقاته خوفا من أي كان، بل ورغم اختلافي العقائدي معه فهو يحظى من قبلي بما يستحق من ‏الاحترام الشديد الذي لا يمكن أن يُحظى به قاطع طريق تونسي أو قاطع طريق دولي متنكرا في دور ‏وزير خارجية إسرائيلي.. وعلى ذكر هذا الأخير، أقول خاتما هذا التداعي المؤلم-المريح، إنّي آمل ‏أن تكون السنة العشرينية للتحول سنة قطع الطريق أمام حُجّاج إسرائيل لكنيسة الغريبة في جزيرة ‏جربة إلى أن يتم حل قضية القدس وأن تبقى فقط مفتوحة لسكان تونس من اليهود.. وأن من يرغب ‏من يهود إسرائيل من أصل تونسي في زيارة تونس أن يأتيها ليعيش فيها وألا يعود البتة إلى أرض ‏إسرائيل التي هي بالأساس أرض مشردين فلسطينيين في الشتات.‏

                                                                       محمد الرفرافي

‏------------
‏تحديث: بعد ساعات قليلة من نشر هذه التدوينة، وصلني خبر إطلاق سراح نحو أكثر من 50 شخص من قياديي وأعضاء حركة النهضة ‏التونسية، بعد قضاءهم مُدَدَا طويلة في السجن وصل بعضها إلى أكثر من 15 سنة. ولا يسعني هنا إلاّ أن أثمن عاليا هذه المبادرة التي تُبشر ‏بما دعوت إلى تحقيقه في هذه التدوينة في خصوص المصالحة الشاملة.‏

RAFRAFI

19:55 Publié dans En arabe | Lien permanent | Commentaires (3) | Trackbacks (0) | Envoyer cette note