Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

jeudi, 01 octobre 2020

Trente cinq ans après!

!آه يا عرب 

بكلّ بساطة "صهيونية" غير نادرة، وصلت الطائرات الإسرائيلية...إلى أين؟ إلى شمال إفريقيا. نعم، وتحديدا إلى تونس، عاصمة "الاعتدال" العربي.. وصلت إلى عقر دار بورقيبة الذي كان أول من نادى في الستينات للجلوس إلى طاولة الحوار مع حكماء صهيون..لم تكن الغارة بعيدة عن قصر قرطاج الرئاسي، هناك فقط فاصل بحري بنحو 20 كيلومتر بين هذا القصر المطل على خليج تونس وبين "حمّام الشطّ" الذي كان هدف الغارة غير العمياء، المطل من الناحية المقابلة على نفس الخليج.

ستّ طائرات إسرائيلية قيل أنّها فرنسية الصنع أو أمريكية، تمّ تزويدها لوجيستكيا في الجوّ بطائرة أمريكية، لكي تقطع مسافة 2500 كلم وتصل إلى مقر الضيافة التونسية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

ست طائرات بعدد أسنان نجمتها السداسية، طارت بكبرياء وثقة وأيضاً بحماية الأسطول السادس هو الآخر، ليس لقصف بيروت أو بغداد لأن ذلك قد تم ودخل أرشيف التاريخ العربي المعاصر، وإنّما لضرب هدف عربي آخر أبعد جغرافيا صحيح ولكنه عسكريا- صهيونيا ليس أبعد من صور أو صيدا..

آه يا عرب

قال سفير إسرائيل في باريس بلسانه الفرنسي الألكن وبلهجة المنتصر أنّ "تونس تحتضن المنظمة الإرهابية" وأنّ بلده قام "بواجبه في ضرب مركز الإرهاب مثلما فعل في الماضي وكما سيفعل في المستقبل"... هكذا هي الحقيقة الإسرائيلية الدّامغة تعلن عن نفسها، أولا بالفعل، وثانيا بالقول.

لكن إذا تتبّعنا منطق السفير الذي هو منطق طيران حكومته، لتساءلنا قائلين: باريس تحتضن مكتبا لمنظمة التحرير وبالتالي "مركزا للإرهاب" فلماذا لا تقصف إسرائيل مقر الإرهاب هذا؟ هل لأنّ إبراهيم الصوص مدير هذا المكتب، رجل أنيق، يجيد العزف على البيانو ويتحدث بفرنسية أكثر طلاقة من فرنسية السفير زميله العدو؟ لا يبدو الأمر كذلك؟ أم لأن قصف مقر المنظمة في باريس قد يؤدي إلى مقتل بعض اليهود القاطنين قرب المقر أو المارين بالقرب منه؟ هناك شيء من هذا القبيل. أم لأن قصف مكتب باريس يعني قصف باريس نفسها، أي قصف جزء من ذاكرة الغرب الذي أنشأ إسرائيل من رمادنا؟ يبدو أن ذلك أكثر إقناعا...

آه يا عرب

على نفس المنوال نتساءل: منظمة الأمم المتحدة تحتضن عضوا مراقبا من منظمة التحرير، فلماذا لا تضرب إسرائيل مقر هذه المنظمة؟ السؤال يبدو سرياليا، لكن المطلع على علاقة إسرائيل بقرارات هذه المنظمة الدولية سيجد أنّ إسرائيل يكفيها أنها لا تتردد في "البول" (و معذرة للتعبير) على قرارات هذه المنظمة التي تحتضن العضو الفلسطيني المراقب.

عندما سؤل السفير التونسي في باريس عن موقفه مما حدث، عاد المسكين إلى أرشيف الدبلوماسية التونسية ليستخرج من غبارها وثيقة مصّفرة تروي دعوة "المجاهد الأكبر" منذ الستينات، إلى إتباع سياسة  التفاوض والحوار مع إسرائيل، مؤكدا- أي السفير- بلهجة المنهزم التي باتت لهجتنا المعاصرة، على أنّ تونس لم يسبق لها أبدا أن كانت وراء أي عمل إرهابي ضدّ إسرائيل !!

آه يا عرب

صحيح أنّ تونس لم تشترك رسميا في أية حرب عربية ضدّ الكيان الصهيوني وأنّه في كلّ مرّة ترسل فيها تونس جنودا من أبنائها إلى ساحة المعركة، تنتهي الحرب قبل وصولهم.. لكن ألا يكفي أن تبدي تونس استعدادها لمحاربة إسرائيل كي تكون عدوا في نظر هذه الأخيرة؟..

نسي السفير أن إسرائيل لا ترى العرب مجزّئين، ذلك أن إسرائيل وحدها ترانا موحَّدين أوّلا وضدها ثانياً.. نسي السفير أن زميله اللدود في باريس، قالها في تصريح صحفي بأن إسرائيل تقف وحدها في مواجهة 150 مليون عربي..

تونس التي يريدها البعض فينيقية أوّلا وإفريقية ثانيا ومتوسّطية ثالثا وإسلامية رابعا وفرانكفونية خامسا ولا أدري ماذا سادسا وسابعا... ولكن عربية آخرا.. تونس هذه، تراها إسرائيل عربية أوّلا وفلسطينية ثانيا وأحيانا العكس. وما احتضان تونس لمنظمة التحرير بعد بيروت إلاّ دليل على هذا القدر الدموي الذي يربط العربي بالعربي حتّى القبر..

آه يا عرب 

بورقيبة الذي انتظر طويلا تحقيق حلمه السّتيني في الحوار "المتحضّر" مع إسرائيل، عاش أيضاً طويلا حتّى شاهد كيف سقطت البندقية الفلسطينية في بيروت وكيف احترقت أغصان زيتون لبنان، وكيف جاء أبو عمّار إلى تونس باحثا عن غصن زيتون آخر من زياتين المنستير.

أبو عمّار من ناحيته انتظر طويلا تحقيق حلمه السّبعيني في الحوار الشّفوي مع ذوي حوار المدافع، وبقي صامدا في بيروت ليس لكي يموت وإنّما لكي يخرج مرفوع الرأس كالفينيقيين ويركب البحر الذي يمتدّ من شواطئ صور إلى شواطئ قرطاج، عاصمة الفينيقيين التي صارت عاصمة الاعتدال السياسي المتمثّل في الواقع في الاعتزال الرئاسي من أي موقف خارجي صارم خوفا على البيت الوطني من شرَهِ الطّامعين أو سُخط الحاقدين.

آه يا عرب

بورقيبة الذي سبق أن راهن على تحضّر إسرائيل والذي كثيرا ما أكد على أنّ الصراع العربي الإسرائيلي هو صراع حضاري، عاش المسكين طويلا حتّى رأى من شرفة قصره القرطاجي المطل مباشرة من الناحية المقابلة على شاطئ حمّام الشّط كيف جاءت طائرات حكماء صهيون لتمارس حوارها الحضاري وتقضي على آخر حلم تبقّى لدى بورقيبة الحالم والمسالم..

آه يا عرب 

بورقيبة الذي استنجد بريغن لحمايته من خطر الطيّران الليبي، فأرسل إليه هذا الأخير بارجة حربية من الأسطول السّادس، لا بد أن خطر له ولو لِحين أنّ الطائرات المُغيرة هي طائرات ليبية.. فماذا يا ترى كان شعوره عندما سمع تبنّي إسرائيل لغارتها الحضاريّة؟ وماذا كان موقفه عندما تأكّد له أنّ هذه الطائرات قد تزودت جوّا بالوقود من طائرة أمريكية من نفس الأسطول الذي جاء يحميه من غارة ليبية؟! وماذا كان شعوره من مباركة هذه الغارة من قبل صديقه ريغن الذي نزل ضيفا عليه قبل أشهر  قليلة في واشنطن؟ 

آه يا عرب

وأبو عمّار ! هذا المقاتل من دون سلاح، والبطل من دون انتصار، والمفاوض من دون أنصار لا من حملة السلاح ولا من معتقلي أنصار.. أما آن له أن يقتنع بأنّه في نظر عدوه، إما قاتل أو مقتول؟

فندق "سلوى" بحمّام الشط الذي احتضن شتات المنظمة الفلسطينية، لم يكن للسلوى، كان للبلوى..

آه يا بورقيبة ! يا من تشبّثتَ بذكرى "جهادك" القديم كتشبّث الأحبار بالعهد القديم، يا من توقّعت خيرا من "البيت الأبيض" وآمنت بنقاوة لونه، ما دامت أنفاسك باقية فإنّ هناك فرصة نتمنّاها ألاّ تضيع، وهي في أن تُنهي عهدك الطويل بوقفة بدوية ! نعم بدوية شجاعة ضد تحضّر تل أبيب وخالتها واشنطن، فترسل مثلا طائرة انتحارية إن لم يكن إلى تل أبيب فإلى إحدى بوارج الأسطول السّادس وهي على أيّة حال لا تزال قريبة من سواحلك.. واقترح عليك أن تدعو أبا عمّار لقيادة هذه الطائرة.. ليس لأنّي ضدّ أبي عمّار الذي أكنّ له منذ زمان محبّة غير معلنة رغم انتكاساته التي قتلتنا، وإنّما لإصرار إسرائيل على قتله أينما ذهب وأينما احتمى، فإنّي لا أجد لخلاصه حلاّ غير تخلّصه نهائيّا من خصاله السياسية وتحلّيه بخصال المسيح المخلّص.

آه يا عرب

فندق "سلوى" لم يكن للسلوى.. كان للبلوى..

محمد الرفرافي/ أكتوبر 1985

22:11 Publié dans En arabe | Lien permanent | Commentaires (0) |  Facebook | |

samedi, 25 juin 2016

Une Europe d'hier..

أعادني السؤال الأوروبي المُثار بعد استفتاء الخروج البريطاني من أوروبا مؤخرا، إلى استحضار رؤية لكيانٍ أوروبي مغايرة لِما هو سائد، كان قد طرحها تيّارٌ يمثّله مثقّفون أوروبيون شباب، نُعتوا آنذاك بالقوميين الثوريين وأسموْا أنفسهم القوميون التحرّريون، وكنت التقيت بخمسة منهم قبل ثلاثة عقود في مدينة مونص البلجيكية وهم: الألمانيَان زيغفريد بوبليس وكارل أوفكس، والفرنسيَان غيوم فاي وفيليب دونزال، والبلجيكي روبير ستوكار.

وجدتُ أن رؤية هؤلاء لأوروبا (وكانت ألمانيا لا تزال آنذاك مقسمة) ليست معارضة لما فرضته معاهدة وسيتفاليا فقط، بل أيضا معارضة لما فرضته الحرب الباردة لاحقا، هذا عدا تصوّرهم للكيان العربي، وهو تصوّر خالٍ من عقلية المركزية الأوروبية؛ وبالتالي الاطلاع على ما فكّر فيه هذا التيار الذي لم يتحوّل في ما بعد إلى قوة سياسية فاعلة ولكنه أثّر ربّما على تيارات أوروبية أخرى، قد يساعدنا اليوم على فهم موقف الأوروبيين من أوروبا ومن جيرانها، وأولهم العرب، وخاصة على ضوء الخروج البريطاني وردود الفعل التي أثارها. لهذا ارتأيت أن أنقل إليكم هنا (تسهيلا لقراءته) حِواري مع الألمانييْن المنشور في مجلة الموقف العربي الصادرة في قبرص والذي أجريته مع كليهما في وقت واحد وكان ذلك بحضور البلجيكي الذي ساعدني مشكورا على نقل كلامهما إلى الفرنسية:

-----------

interview_avec_allemands_rec.jpg

النموذجان الأمريكي والسوفياتي لا يصلحان لأوروبا والعرب

التحول العميق في سياق التاريخ، عادة ما يسبقه فكر يمهد له المسار. هكذا كان الحال مثلا بالنسبة للثورات البرجوازية الأوروبية التي سبقتها أفكار ونظريات كانت لها بمثابة الدليل والمنطلق. واليوم وبعد أن استهلكت أوروبا نظرياتها البرجوازية الكلاسيكية، لتدخل، بدءا من القرن التاسع عشر، عصر الإيديولوجيات "العلمية" والميتافيزيقية، ثم لتعيش بعد ذلك حروبها القومية الشوفينية فوق أراضيها، وحروبها الاستعمارية في أراضي ما وراء البحار، وبعد أن بدأت تدب في أوصالها الشيخوخة في ظل تنامي العملاقين، إلى حد أن "ترملت" فكريا وانكمشت حضاريا وانشطرت جغراسياسيا... بدأت "القارة العجوز" - كما صارت تسمى- تبحث عن الترياق الذي قد يعيد لها شبابها وحيويتها "النهضوية".

ليست "عودة الوعي" اليميني المتطرف التي برزت في السنين الأخيرة هي التعبير الحقيقي عن هذه "النوستالجيا" الأوروبية. ذلك لأن قادة هذا اليمين، ليسوا في الواقع سوى عناصر من "سقط متاع" الحروب الكولونيالية، الذين يريدون اليوم أن يجعلوا من المهاجرين العرب "كبش فداء" لهزائمهم في ما وراء البحار. ثم إن هذا اليمين "المتفشست" ليس أوروبيا بقدر ما هو "أطلسيا" فكرا وسياسة وإستراتيجية، وبالتالي فهو لا يمثل العمق الإنساني لأوروبا النهضة.

والنوستالجيا الأوروبية التي نتحدث عنها والتي تسعى إلى بعث أوروبا من أنقاض دمارها الروحي، والتي ترى في العرب حلفاء تاريخيين وحضاريين وليسوا أعداء مخيفين وحوشا... هذه النوستالجيا هي الرصيد الذي يحمله اليوم بعض شباب أوروبا الذين تشربوا أولا التراث العريق لحضارات شعوب المتوسط، بدءا من اليونان ثم الرومان فالعرب.. هذه الينابيع المعرفية جعلتهم يرون مستقبل العالم بعين مختلفة ويرون خلاص أوروبا في تخلصها من "بلقنتها" الإثنية و"قبرصتها" اليالطوية، وفي تحالفها مع العرب ضحايا "سايكس بيكو" و"بلفور" وغير ذلك من صفقات الغرب السرية.

"زيغفريد بوبليس" و" كارل أوفكس"، شابان من ألمانيا الغربية، الأول محامي وباعث مجلة "فيرسالبسيت" ومؤسس دار نشر، والثاني زميله في نفس المجلة، وأستاذ فلسفة وعلوم سياسية ومؤلف كتب تعليمية في هذين المجالين وأيضاً في مجال الأدب اليوناني واللاتيني.. هذان الشابان يمثلان تيارا قوميا جديدا في ألمانيا، يلتقي في خطوطه العريضة مع تيار مشابه له في فرنسا يمثله غيوم فاي وفيليب دونزال وآخر في بلجيكا ويمثله روبرت ستوكار.. وكلها تيارات تلتقي حول هدف واحد وهو خلاص أوروبا ووحدتها وتحالفها مع وحدة العرب.

"الموقف العربي" التقت بوبليس وأوفكس في بلحيكا حيث شاركا في مؤتمر "مونص" حول وضع المثقفين والعمال العرب المهاجرين في أوروبا، وقد أجرت حوارا واحدا مع الاثنين لكونهما يحملان نفس الرؤيا وينتميان إلى نفس التيار.

قومية لا شوفينية

*الموقف العربي: خلال تعارفنا في أول الأمر قلتما لي بأنكما من القوميين الألمان وعندما نقول قومية ألمانية فإنه سرعان ما يقفز إلى الذهن تلك القومية التي صنعت حربا عالمية ثانية..

-"بوبليس" و"أوفكس": هناك موروث في القومية الألمانية لسنا من أنصاره، وهو الشوفينة. هذا الموروث يعود إلى حقيقة تاريخية وهي أن الأمة الألمانية كأمة موحدة لم تتحقق إلا متأخرة، أي بعد أن تحققت وحدة شعوب أوروبية أخرى مثل فرنسا وبريطانيا. وبسبب هذا التأخر في الوعي بالقومية الألمانية وفي خلق أمة ألمانية موحدة، شاهدنا ظهور نزعة متجذرة ومتشنجة للقومية الألمانية، أخذت شكلا شوفينيا. والشيء الذي نسعى اليوم إلى تأكيده هو أن القومية الني نؤمن بها نحن هي تلك التي لها بعد تحرري وانعتاقي. نريد أن نبرهن على أن القومية هي إيديولوجية من شأنها أن تتيح لنا ضمنيا فرصة النضال ضد هيمنة القوى العظمى. إنها إيديولوجية طبيعية للشعوب المقهورة والمهيمن عليها. هذه القومية التي نحن من أنصارها هي تلك التي تمد يدها إلى الشعوب الأخرى والتي لا تريد أن نقف حجر عثرة أمام إرادة هذه الشعوب. إنها قومية تضامن وتحرر، ونحن نعتبرها مبدءا صالحا لكل الشعوب في الأرض.. إذن فهدفنا هو أن نؤكد على اختلافنا مع أنصار "القومية" التي تسعى إلى تقديم الألمان كشعب متفوق على شعوب الأرض.

*الموقف العربي: هذه القومية التحررية هل تخص ما يسمى سابقا "بروسيا" أي ألمانيا ومعها النمسا، أم فقط ألمانيا بدولتيها الغربية والشرقية؟

-"بوبليس" و"أوفكس": نحن ننطلق وحسب التفريق الإبستمولوجي، من مبدأ القومية بمعناها الألماني الذي يختلف جوهريا عن معناه الفرنسي واللاتيني عموما. القومية الألمانية التي ندافع عنها تنطلق من الصفة الإثنية لمفهوم كلمة شعب. وهذا يؤدي عمليا إلى كوننا نعتبر الشعب الألماني كمجموعة إثنية هو أساس قوميتنا، وبالتالي فهو يشمل سكان النمسا ومنطقة جنوب "تيرول" التي تضمها ايطاليا حاليا. إذن فقوميتنا تتضمن نقدا للوضع القائم حاليا، أي إننا لا نعترف بالحدود القائمة اليوم، ونأمل في تعديل تقسيم أوروبا على قاعدة الحدود الحقيقية أي الحدود الإثنية.

لا يمكننا أن ننطلق من المبدأ الذي يقول بأن الحائط، أو الستار الحديدي، الذي يقسم حاليا الأمة الألمانية إلى قسمين هو حدود طبيعية. نحن لا يمكن أن نعترف بهذا الوضع، وبالتالي فإننا لا نقبل بالوضع القائم منذ يالطا. ذلك أن تجاوز الوضع اليالطوي ليس له دلالة بالنسبة للشعب الألماني فقط وإنما أيضاً بالنسبة للعالم كله. هذا التجاوز هو عامل سلام، لأنه تجاوز للمواجهة بين المعسكرين. أن نتجاوز يالطا يعني أن نحقق السلام في نظرنا. والناس خارج ألمانيا، سواء في أوروبا أو في غيرها، لا ينتبهون إلى أن ألمانيا بعد 40 سنة من الحرب الثانية لا تزال تحتلها قوات أجنبية من الشرق والغرب. لا أحد يعرف مثلا أنه في مدينة برلين كعاصمة سابقة للدولة الألمانية، لا تزال سلطة القرار في يد قيادة الحلفاء.

إن وضع الاحتلال الذي تعيشه ألمانيا، هو قضية هامة بالنسبة للعالم كله، ذلك لأن ألمانيا اليوم، تحتوي على أكبر كمية من الأسلحة النووية والتقليدية في العالم. وبالتالي فإن ألمانيا هي عرضة اليوم لأن تكون ساحة مواجهة عالمية وبالتالي عرضة للزوال من الخريطة الأوروبية، وبديهي أن هذا الوضع قد يتسبب وحده في اندلاع حرب..

تنظيم الوعي الشعبي

*الموقف العربي: هل هناك احتمال لأن يتحول تياركم إلى تنظيم سياسي؟

-"بوبليس" و"أوفكس": يتمثل عملنا السياسي أولا في تنظيم الوعي الشعبي وإعطائه هيكلا. وأيضاً في توعية الشعب بالوضع الذي تعيشه ألمانيا، والمتمثل أساسا في "التقطيع"، أي تقسيم البلد إلى دويلات. إن العمل من أجل تنظيم سياسي ليس ممكنا إلا بعد أن يتجاوز الشعب درجة ضرورية من الوعي. وهذا لم يتحقق حتى اليوم. وتجدر الإضافة إلى أن الاستعمار الذهني والروحي الذي يعانيه الشعب الألماني إنما يتم بشكل بارع، شرقا وغربا. والمبدأ الأساسي في عملنا السياسي هو النضال ضد هذا النوع من الاستعمار والقضاء عليه، وخصوصا إقناع سكان ألمانيا الغربية بأن عقولهم المستعمرة (بفتح الميم) تجعلهم يخضعون للامبريالية الأمريكية. وعندما يصل عدد معين من سكان ألمانيا الغربية إلى الوعي بكونه مستعمرا (بفتح الميم) فكريا.. آنذاك يصير من الممكن التفكير في إنشاء تنظيم سياسي للنضال ضد الامبريالية.

*الموقف العربي: هل هناك تسمية محددة تطلقونها على أنفسكم؟

-"بوبليس" و"أوفكس": نسمي أنفسنا "قوميين تحرريين" لأننا مع قومية التحرر والانعتاق، وسائل الإعلام الألمانية تصنفنا بالقوميين الثوريين، أي أننا قوميون يستعملون المسألة القومية لتغيير بنية مجتمع ألمانيا الغربية راديكاليا. وسائل الإعلام هذه تعتبرنا ثوريين لأننا نريد استعمال المسألة القومية في أفق ثوري لتغيير الأبنية الاجتماعية في ألمانيا وأوروبا. وبديهي أن هذه التسمية ليست خاطئة، فنحن نعترف بأن القومية كايدولوجيا إنما تنطلق أساسا من مبدأ ثوري.

*الموقف العربي: كيف تنظرون إلى حركة "الخضر" في بلدكم؟

-"بوبليس" و"أوفكس": لدينا نقاط تلاقي عديدة مع "الخضر" ومن ذلك مثلا الإيمان بالديمقراطية القاعدية وبضرورة حماية الطبيعة. إلا أننا لا نتفق معهم في تقديم قضية الطبيعة على قضية الوطن. ألمانيا بالنسبة إليهم تأتي في الدرجة الثانية بعد الطبيعة، وهذا موقف رومانسي لسنا من أنصاره..

*الموقف العربي: إذن أنتم مع ألمانيا قبل طبيعتها؟

-"بوبليس" و"أوفكس": لا هذه قبل تلك ولا العكس أيضا.. حماية الاثنين في وقت واحد، ذلك هو أحد أهدافنا.

*الموقف العربي: هناك رأي يقول بأن عودة اليمين المتطرف إلى أوروبا تعود بالأساس إلى فشل التعايش ببن العملاقين، هل يمكن أن ينطبق هذا على تياركم؟

-"بوبليس" و"أوفكس": الحديث عن يمين متطرف في ألمانيا هو في الواقع حديث عن مصطلح غير موجود بنفس الشكل الموجود عليه في فرنسا أو ايطاليا. فظاهرة لوبان في فرنسا هي ظاهرة تبحث عن إعادة ترتيب وضع فرنسا داخل الحلف الأطلسي، في حين أن "الأمركة" أو الموالاة لأمريكا هي أمر يخص حلقات صغيرة داخل الحزب الديمقراطي المسيحي والتي منها حلقة "تسي. دي. أو" وحلقة " سي. اي. سو" بزعامة شتراوس في مقاطعة بافاريا. هذه الحلقات هي التي تساند أمريكا الريغانية وسياستها المعادية للسوفيات. وبالمقابل فان الحلقات القومية التي تدخل في إطار قومية التحرر وهي موزعة بين حلقات يسارية، والتي نحن منها، وحلقات تتبنى مبادئ نخبوية أو عنصرية ذات الإيديولوجية المحسوبة عموما على اليمين.. هذه الحلقات كلها هي ضد الوجود الأجنبي وهي تريد حماية الشعب الألماني من كارثة كونية ومن الخطر النووي والخراب عبر حرب عالمية ثالثة.

ظاهرة لوبان

*الموقف العربي: ألا يوجد في ألمانيا الغربية تنظيم ضد المهاجرين، على غرار "الجبهة الوطنية" التي أنجبتها الظاهرة اللوبانية في فرنسا؟

-"بوبليس" و"أوفكس": لا نعتقد بأنه يمكن الحديث عن ظاهرة "لوبانية" في ألمانيا.. ولا عن تنظيم سياسي يشبه "الجبهة الوطنية".. هناك، كما في بقية بلدان أوروبا ظاهرة ما يسمى "كراهية الأجنبي". هذه الظاهرة نجدها ممثلة داخل كل الأحزاب التقليدية في ألمانيا. وتحديدا في شخصيات سياسية داخل حلقات مثل "تسي. دي. أو" و"تسي. إي. سو" اللتين تحدثنا عنهما. وتستغل هذه الشخصيات مسألة "كراهية الأجنبي" بهدف اكتساب مزيد من الأصوات خلال بعض الانتخابات. هناك مع ذلك بعض التجمعات السياسية الصغيرة يمكن تشبيهها بجبهة لوبان لكن ليس لها وزن يذكر..

*الموقف العربي: كيف ترون الوطن العربي وكيف تتصورون مستقبل علاقات العرب بألمانيا الموحدة التي تطمحون إليها؟

-"بوبليس" و"أوفكس": الوطن العربي مثل الوطن الألماني، وطن مجزأ وخاضع لهيمنة القوى الأجنبية. وهذا يكفي لكي يجعل العرب والألمان يقفون في خندق واحد. ونود أن نقول، بالنسبة للقضية الفلسطينية مثلا، بأن تضامننا مع أصحاب هذه القضية، ليس وليد موقف مبدئي فحسب وإنما أيضاً وليد تجربة تاريخية. في عهد هتلر وقف الألمان ضد يهود أوروبا. وتولد لديهم بعد ذلك إحساس بالذنب. وتنامى هذا الإحساس مع الهيمنة الامبريالية على ألمانيا. وعلى الألمان اليوم أن يتضامنوا مع الفلسطينيين الذين دفعوا فاتورة ما فعله الألمان ضد اليهود. إن الإحساس بالذنب تجاه اليهود قد جعل ألمانيا تضطر إلى أن تدفع تعويضات لدولة "إسرائيل". هذه التعويضات استغلها اليهود لطرد الفلسطينيين من أرضهم وقمع من بقي منهم. ومن ناحيتنا نحن، فإن تضامننا مع الشعب الفلسطيني يرتكز على ما يلي: لا للمساعدة العسكرية لـ"إسرائيل". نساند فكرة أن يقيم الفلسطينيون دولتهم في فلسطين لأنه لا يحق لـ"الإسرائيليين" الحصول على دولة فوق أرض فلسطين.

إن الألماني البسيط الواقع تحت تأثير شعوره الشقي بالذنب تجاه اليهود، لا يشعر بان الشعب الفلسطيني شعب مضطهد (بفتح الهاء). لذلك يجب توعية هذا الشعب بهذا الأمر، يجب توعيته بقساوة الاستعمار الذي يعانيه الشعب الفلسطيني منذ نحو أربعين سنة.

وحدة أوروبا والوحدة الغربية

*الموقف العربي: كيف تنظرون إلى الإسلام، خصوصا بعد عودته كأداة سياسية إلى ساحة الفعل التاريخي؟

-"بوبليس" و"أوفكس": أول نقطة تجب الإشارة إليها، أولا، هي أن إعادة النظر في الإسلام كما تتم اليوم في ألمانيا وعلى عكس ما كان عليه الأمر في الحقبة الاستعمارية، أتاحت لنا أن نكتشف بان الإسلام هو أساسا دين تسامح. ونود أن نضيف، بأننا نحن كأنصار للتعددية الإثنية، نأمل بان تحافظ الشعوب على تاريخها الخاص ومقوماته، والإسلام في هذا السياق هو إحدى المقومات الأساسية للشعب العربي. لذلك فعلى هذا الشعب ألا يفرط في هذا الدين الذي فيه عنصر التسامح. وعندما نتحدث عن الإسلام فإننا يجب أن نشير إلى أن ألمانيا قد استلهمت منذ العصور الوسطى، من الحضارة الإسلامية، سواء في الرياضيات أو في الفن والأدب والشعر. وكمثال على ذلك ما نجده لدى الشعراء الملحميين مثل فولفغانغ غوته وفولفهوم باخ..

*الموقف العربي: أصحاب ما يسمى "الطريق الثالث" في فرنسا، وهو تيار فرنسي مماثل لتياركم من حيث التشخيص والنقد والأهداف، يطرحون فكرة مشروع حضاري عربي أوروبي.. فما رأيكم؟

-"بوبليس" و"أوفكس": نحن نأمل أن تعود علاقات التبادل بين حضارتينا العريقتين، أي أن يعطى كل واحد ما لديه وان يأخذ من الثاني ما يفتقر إليه.. هذا من الناحية الحضارية. أما ما الناحية الاقتصادية فإنه يجب اعتبار أراضي أوروبا وأراض العرب منطقة للمصالح " الجيوسياسية" المتبادلة. لذلك يجب على الأوروبيين والعرب حمايتها من الهيمنة الامبريالية. يجب خلق منطقة تبادل بين بلداننا. وداخل هذه المنطقة يجب احترام مبدأ "التعددية الإثنية" تماما مثلما كان يحترمها الإسلام وهو في أوج حضارته. وبسبب التسامح الديني كان المسيحيون والنسطوريون واليهود يعيشون في سلام داخل الدولة الإسلامية... ستكون المنطقة العربية الأوروبية "الجيوسياسية" قادرة على الدفاع عن نفسها وعلى لعب دور الذات الفاعلة في التاريخ وليس دور الذات "المشيئة" في ظل الامبريالية. في هذا الإطار يكون باستطاعة العرب تحقيق وحدتهم وباستطاعة الألمان ثم الأوروبيين تحقيق وحدتهم هم أيضا. وبذلك يكونون مثلا يُحتذى لدى دول العالم، في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. خصوصا بعد أن كف النموذج الأمريكي وكذلك السوفياتي عن أن يكون كل منهما النموذج الأمثل.

أجرى الحوار: محمد الرفرافي

RAFRAFI

@rafrafi_med

samedi, 09 avril 2016

Le neuf avril n'est pas neuf

Le 9 avril 1938 tunisien, le 9 avril 1948 palestinien (Deir Yassin) et le 9 avril 2003 irakien, trois dates pour une même douleur ranimée.

 شاء أن يكون التاسع من أفريل/نيسان من كلّ عام، بالنسبة لي كتونسي، هو ذكرى شهداء تونس (1938) في معركتهم ضد الاستعمار الفرنسي؛ ثم، وكعربي، صار أيضا متزامنا مع مذبحة "دير ياسين" (1948) ثم مع ذكرى سقوط بغداد سنة 2003.. في هذه الذكرى، أنشرُ هنا ما كنت كتبته في بداية سنة 1998 إثر آخر زيارة إعلامية لي قمت بها للعراق وهو تحت الحصار. كان نصّا حزينا وغاضبا. وكانت إحدى صحف تونس قد نشرت جزءا منه كافتتاحية لها في الصفحة الأولى. منذ ذلك التاريخ وإلى اليوم تغيّرت أشياء كثيرة لكن حصار الشعوب مازال على أشدّه:

fax images4_edito.jpg

 ياَ عراقُ

ياَ عراقُ لا تَنْضُبْ فأنتَ الظَمَأُ وأنتَ الماءُ... جَدِّدْ أحلامَك وأزرَعها مزيداً من النَّخْل على امتدادِ بشْرتك الطِّينِيِة... يا عراقَ البَدْءِ والأسطورةِ والسّرْدِ، كانَ الكلامُ منكَ ينهمِرُ وابِلَ رُوحٍ، نهْرَيْنِ لِبَابُلَ الألْسُنِ الأُولَى، وهذا بعْضٌ من رذَاذِكَ فِيَّ ومِنِّي..

يا عراقَ الشِّعْرِ، عَجِّلْ ولا تقفْ مُنْدَهِشاً بينَ لِساني ونبْضي. سِرْ حثيثاً إلى انسيابِك ولا تلتفتْ إلى قوْليَ هذا، فتغْدو تِمثالاً من مِلْحٍ ومِنّي... ليس لَدَيّ ما قدْ يسُدُّ لكَ الرّمَقَ سِوى أرَقي الخاوي، سِوى انشغالي مِثلَ كلِّ أشقَّائي عن مشروعِ سقوطِكَ اليُوسُفِيِ في بِئْرِ خديعَتِنَا الحديثة، هذا القاعِ السحيق من لا وعْيِنَا المُعْتَمِ..

يا عراقَ القَهْر من النَّهْر إلى النّهر، قَدَرُكَ وَرَمٌ على جِلْدِ وَقْتِنا الكالِحِ، وأنت الأبْقى... أبْقى من تاريخِكَ الطّاعِنِ في الطِّينِ وَفِينَا..

يا عراقَ اللَّوْحِ المَحفوظِ في الشّمْس، أما زال في أَدِيمِكَ طِينٌ للذّاكرة ؟... مَجْدُكَ هَرَمٌ مِن بُطولاتنا المُحَنَّطَة، يُطِلّ على انكِسَارَاتنا المَبْثُوثة حِنْطَةً لِرَغِيفِ أيَّامِنا المتشَابهة..

يا عراقَ الصَّبْر، لَبَنُ أطفالِكَ أبيضُ هو الآخَرُ مِثْلَ نِسْيَانِي.. مِثْلَ أَسْنَانِيَ الأُولى التي أَلقيْتُها في البِئْرِ.. أَصْبِرْ إِذَنْ علَى يأْسِيَ، فأَنا مُواطنٌ في الصَّمْتِ، وصامِتٌ في الوطَنِ.. في هذا الوطَنِ الصَّاخبِ بالبلاغة والصَّامِتِ ببلاهة... لا تَعْبَأْ بِما أقولُهُ لكَ عَنْكَ، فَأَنَا -ومِثْلَ كُلِّ عَرَبِيٍ مُتَكَاثِرٍ هَدْراً في أَعْيُنِ الأعْداءِ- وحيدٌ وأَعْزَلُ مُنْذُ انفِطَاميَ مِنْكَ قبْلَ كَمْ مِن أَلْفِ عامٍ وقبلَ كُلّ عامٍ وحِينْ..

يا عراقَ التَّمْر، أنتَ أعْرَقُ مِنْ أنْ تُحْشَرَ بِنَخْلِكَ في مُعَادَلَة العَصْر، تلك التي صِيغَتْ على سبيلِ الحَصْر.. والحِصار.. في عِبارة "النفط مقابل الغذاء"، وهْيَ لم تكن تعني في آخر الأمْرِ الأَمَرِّ، سوى "الغذاء من أجل الحفاظ على البقاء".!

gilgamesh_shamash.jpgوَأَيُّ بقاءٍ! وأنتَ الذي علَّمْتَنَا جميعاً وعلّمْتَهُمْ مِنْ قَبْلِ تَوَرُّمِهِمْ، مَلْحَمَةَ البحث عن عُشْبَةِ البَقاء؟

يا عراقَ الحُلْمِ.. العراقيُ يجوعُ اليومَ من أجلِ بقائِكَ وأيْضاً من أجْلِ حُلْمِنَا الشامِلِ، ذلك الحُلْمِ الممنوعِ والمُمْتَنَعِ عنَّا نحنُ المُنْحَدرين بِقُوَّة الدَّفْع التِّلْقائي مِنْ رِبَاطِنا إلى مَسْقَطِنا.. نحو التلاشي.

يا عراقَ الشَّعْب، لقدْ تَشَعَّبَتْ حَوْلَك الآراء والأهواء والأهوال، وأنا في عُزْلَتي العربية أراك، بيْن القال والقيل، مُنشغلاً بِوَاقِعِ الحال الثَّابت والأثْرى من حسابات المُمْكِن والمَأْمول والمُستحيل. وما قَلَقِي -وهو قلقُ أمثالي الكُثْرِ من أحْفَاد بنِي الضَّاد- إلاّ على مَصير هذا القَدَرِ المُتَفَرِّد في كَوْنِك العَربي الأَوْحَد في الجَمْع بين التاريخ والطاقة، ولَعَلَّهما أخْطَر سِلاَحيْن يُشَكِّلان مصدرَ صُداعٍ لِكُلِّ مَنْ يَسْعَى إلى اخْتِزَالك واخْتِزالي واخْتِزالنا إلى مُجَرَّد "بَرَاغٍ" وزَيْت، في آلة العوْلَمةِ الطاحنة..

أياَ عراق، أياَ تاريخنا الإنساني حين يدفعنا قُضاة الحق الدولي إلى تذكُّر حمورابي، "جدّهم" الرّوحي الأوّل؟ ويدفعنا علماءُ اللغة إلى استحضار "بابل"، منبتُ اللغات ونَسْغها، ويُحِيلنا مبدِعُو العالَم وفنّانوه إلى استحضار جلجامش، صائد الأبد..

أياَ تاريخنا القومي، حين نستحضر المنصور بانيَ بغداد، والمأمون، بانيَ الثقافة..

Babel.jpgأياَ تاريخنا الدِّيني، حين فتح الإيمانُ قلبَه لِهواء العقل، فكان الكِنْدِيُ والمُعتزلة..

أياَ تاريخنا الأدبي حين نستظل بعمالقة القوْل، من المُتنبّي إلى السيّاب..

أياَ فُراتنا العذْب ودِجْلتنا السّخية حين تزحف الصّحراءُ إلى صدورنا..

أياَ نفْطنا، حين يقْتدِي بالحِبر فننْهل منه قبل أن يركب البحرَ ويغتربَ..

وقدْ يتساءلُ المتفائلونَ: ما المانع إِذَنْ مِن أن نقِفَ معاً وقْفَةَ النَّخيل، ونصْنَعَ مِن وُقُوفِنا حِصْناً ومِنْ ظِلِّنَا واحَة؟ أن نقفَ معاً وقفةَ الأحياء فَيَنْعَمُ الأمواتُ مِنّا بالراحة؟ أن نقفَ معاً حتى لا يَغْدُو العراقُ رَسْماً دارِساً أوْ إِسْماً آخَرَ لِدَمْعٍ مُسَالٍ فوْقَ دَمِنَا المُرَاق منذُ يومٍ وَمنذ دَهْرٍ طويل؟

يا عراقَ القَلْبِ، لقَدْ انسدَّتِ الشّرايينُ فِـيَّ وفيناَ مِن شِدَّة التّوَتُّر الثَّوْرِيِ والعقائدِ المُسْتَفْحَلة باستِفْحَالِ شَقَاءِ لاَوَعْيِنَا الأخْرَقِ بذَاتِنَا... ولم يبْقَ مِنْكَ ومِنِّي ومِنَّا، مُنْفَتِحاً جُرْحاً، غَيْرُ كَرْبلاء لِكُلِّ بَلاَء، بات عليْنَا أنْ نَسْتَعْذِبَهُ...

يا عراقَ التَّعَب، لَمْ أَعُدْ أقْوَى على مَحَبَّتِكَ، فقَدْ شاخَتْ فِـيَّ مشاعِرِي نَحْوَكَ، ومثلُك لمْ أَعُدْ أقوَى على مُنْتَهَى الغَضَبِ. وأنتَ على الرَّغْم مِن ذلك الأبْقَى، فأنتَ البدءُ والأَزَلُ، إِنْ شِئْتَ، وأنَا الطَّلَلُ.

محمد الرفرافي

مارس 1998

RAFRAFI

Twitter: @rafrafi_med

lundi, 21 mars 2016

Poésie gazouillée

Pour la #JourneeMondialeDeLaPoesie je consacre cette note à un florilège de tweets en arabe que j'ai écrits sur la poésie (@rafrafi_med): 

تغريدات الشعر

#يوم_الشعر_العالمي

هنا بعض من تغريداتي عن الشّعر على مدى ثلاث سنوات مضت:

***

زمنُ السَّرد مُوازٍ لِزمن قارئهِ؛

زمنُ الشِّعر إمّا محفورٌ في زمن قارئهِ أو متصالبٌ معه.

***

الشعر في دمي بين الأكسجين والحديد. حين اختنق يتأكسد وحين أغضب يحمر، يتأذى من الضغط، ينزف مع الجرح ويقتات من السكر. القلب مطبخه والمخ صالونه.

***

بالألم أذهبُ إلى الشِّعر مُتوسِّلاً مَدَدَهُ، بالفرح أعود من الشّعر مُتوسّدا زَبَدَهُ.

***

الشّعر هو نقطة تقاطع التجارب والمعارف والفنون والخرافات والجنون، أو هكذا مفترضا أن يكون أو لا يكون.

***

إذا تخيّلنا الفنون على اختلافها من موسيقى ورقص ورسم ونحت وسرد ومسرح وسينما... الخ، زبائنَ في مطعم، فإن الشِّعر هو صاحب المطعم وطبّاخه ونادله.

***

طقوس_القراءة

أقرأ سرداً، فأبحث فيه عن الشِّعر؛

عِلماً، أبحث فيه عن فلسفة؛

فلسفة، أبحث فيها عن كل شيء؛

لكن حين أقرأ شعرا لا أبحث..أجد أو لا أجد.

***

نَرْجَسُ الشِّعر شفّاف وليس أبيض مثل الموت.. لهذا لا نُدرِكه بِحواسِّنا.. نُدرِكه بالصّمت.

***

ثنائيات:

الفِكْرُ يُصافِحك أو يَصْفعك.. الشِّعر لا يَظْهَر إلاّ لِكي يُعانِقَك.

***

أقول

في هشاشةِ الشّاعر قوّة الشِّعر

هشاشةُ الشّاعر إسمنت العالَم الذي لا يكفُّ عن الانهيار.

***

يأبى الشِّعر إلاّ أن يأتيني ضَيْفاً بثوبٍ فاخر، كملِكٍ يُحِبّ شَعْبه، مُتسلّلا إلى كوخيَ الفقير ولا أجد شيئا لائقا أقدّمُه له سوى أبجديتي.

***

أقول

الشِّعر طريقي بلا خارطة إلى حيث لا أدري، ولن أدري.. ولا أرغب في أن أدري.

***

أقول

أعْذبُ الشِّعْرِ، أقْرَبُهُ... إليك.

***

نسبة كلام الشِّعر إلى كلام النثر في هذا العالم هي مثل نسبة الغازات النادرة إلى غاز الآزوت، وهي الغازات الأنقى والأخف والأكثر ارتفاعا في الجو.

***

كيمياء الشِّعر:

 استبطان مُتصوّف

+ حيرة فيلسوف

+ هذيان مَجنون

+ نعومة عاشق

+ دهشة طِفل

------------

= عُصارة شاعر

***

الشِّعر حليب البداية وصليب النهاية.

***

لا تبحث في الشِّعر عن فكرة أو حكمة أو معلومة أو نصيحة.. لأنّ الشِّعر كما العشق، هما مثل الماء، جُعِلا فقط للارتواء أو للسباحة أو.. للغرق.

***

والشعر أيضا هو ما كان وزْنُهُ ريشةً، ورَوِيُّهُ مِنقاراً، وبحرُهُ ما يراه النَّوْرَسُ.

***

الشعر أَعْشَبُ طريقٍ بين عُزلتيْن قاحلتيْن.

***

بالشعر يورِق الكلامُ في شجرة اللغة، وتَسقط القصيدة تفاحةً بفعلِ جاذبية القلب.

***

كلمات الشعر خلايا جِذعية في جسد اللغة.

***

الحديث عن الشعر كالحديث عن العشق.. لذيذ ومُنفلت مِثل ركْضِ صبيٍ في حديقة.

***

وأنت تقرأ شعراً لا تبحث فيه عن فكرة أو موعظة أو معلومة،

لو احتوى سوى ذلك، لما كان شعرا بل نثرا؛

الشعر، وكباقي الفنون،ينبوع دهشة وانفعال ومتعة.

***

أقول

إذا مزجتَ الشِّعر بالإيديولوجية

فالغلبة ستكون لهذه الأخيرة

تماما مثلما تَخلط بياضَ البيْضة مع صَفارِها

النتيجة ستكون خليطاً مُصْفرًّا.

***

اللغة عانس ما لمْ تتزوّج الشِّعر. 

RAFRAFI

@rafrafi_med

 

dimanche, 06 décembre 2015

Edwar al-Kharrat, inédit

حوار أدبي مع الروائي المصري

إدوارد خراط

صاحب "حيطان عالية"

أجرى الحوار: محمد الرفرافي

تونس، مؤتمر الأدباء العرب، 1973

Edward Kharrat.jpg إدوارد خراط قصاص مصري، خريج حقوق من جامعة الإسكندرية، يعمل كأمين عام مساعد في منظمة تضامن الشعوب الأفروآسيوية وأمين عام مساعد لاتحاد الكتاب الأفروآسيويين ونائب رئيس تحرير مجلة "لوتس".

لهذا الأديب مجموعتان قصصيتان: 

- حيطان عالية، صدرت سنة 1958

- ساعات الكبرياء، صدرت سنة 1973

كما ترجم 40 كتابا غرْبيا.

في لقاء مع الأدبي المصري أثناء فعاليات مؤتمر الأدباء العرب في دورة تونس 1973، سألته عن الخلفية الفكرية لجيل المثقفين الجدد في مصر فأجابني الخراط:

-"يمكن للمرء أن يتلمس بدايات هذا الجيل الذي نطلق عليه جيل الشباب أو موجة الأدب الشاب منذ ستينات هذا القرن وهو بطبيعة الحال نتاج الظروف الاجتماعية والسياسية والحضارية بصفة عامة التي بلغت ذروتها في تلك الحقبة التي تتسم بقدر كبير من التعقيد والكثافة بحيث نكتفي بمجرد الإيماء إلى مقوماتها في تطور الوضع العربي بصفة عامة وليس بحاجة إلى تعريف. ولكن المهم على الصعيد الأدبي والجدير بالتخصيص نوعا ما هو أن هذا الجيل ينحدر من أصلاب جيل الواقعية الأول الذي يقف في قمتها نجيب محفوظ ويوسف إدريس ومحمد شكري عياد وغيرهم... ولكنه في الوقت نفسه تطور ونمو يحمل بذرة الأصل وثمرة النقيض في وقت ما لهذا الجيل بمعنى أنه وإن كان قد استقى من التراث الأدبي بأعراقه البعيدة والقريبة على السواء، إلا أنه يدخل عليها تجديدا هاما. فهو يضم إليها أيضا ما تمثله من المناخ الحضاري العالمي كله ومن انعكاسات وإضافات الأدب والفكر العربي والى هذا المناخ الذي يجمع بين الواقعية واللاواقعية ويؤمن بالمؤثرات الاجتماعية لكنه يطمع إلى ماورائها في داخل الإنسان ذاته وغني عن القول بالطبع أنه لا يمكن الفصل بين الداخل والخارج في نهاية الأمر وأن الحاجز بين الذاتي والموضوعي حاجز وهمي بل عله حاجز من صنع منطلق رجعي وفي هذا السياق يمكن أن نجد تأثيرات لكتاب مثل "فرانز كافكا" و"فرجينيا وولف" و"جيمس جويس" في مرحلة ثم كتاب مثل "سارتر" و"كامو" في مرحلة أخرى ولكتاب مثل "آلان روب-غرييه" و"ميشال بيتور" و"ناتالي ساروت" في مرحلة أخيرة بالإضافة إلى نظريات وآراء منظرين مثل "جروج لوكاتش" و"ارنست فيشر". هذا المناخ كله بما يجيش في تيارات متضادة ومتكاملة كان له أثره المباشر أحيانا وغير المباشر أحيانا أخرى على هذا الجيل من الكتاب ولكننا في هذا السياق لا يمكن أن نغفل صدمة الواقع الذي عاشه ويعيشه هذا الجيل وردود فعلهم الذاتية بإزائه وانشقاقهم عنه وتمردهم عليه وارتباطهم به سلبا وإيجابا فعلا وتفاعلا"

سألته عن الوجوه الأدبية الجديدة الواعدة في مصر، فقال الخراط:

-" ليس من الغريب على القارئ أسماء مثل سليمان فياض وأبو المعاطي أبو النجا في جيل المتوسط ثم أسماء من الجيل الجديد مثل عبد الحكيم قاسم وإبراهيم أصلاف ويحيى الطاهر عبد الله وجمال الغيطاني وغيرهم.. بالإضافة إلى جيل سابق على هؤلاء وأظنهم ما زالوا يسهمون بالجديد شكلا ومضمونا."

سألته: ما هي الهموم الفنية والتاريخية التي تواجهك في تجربتك الكتابية؟

فأجابني الخراط:

- " منذ الخمسينات عندما بدأتُ مغامرة كتابة "حيطان عالية" وأظن أنه يحق لي في النهاية أن أسميها مغامرة كما يتضح لك وجدت نفسي مدفوعا بحس جاد بالتطور بل التثوير المستمر الذي نجتازه جميعا في هذه الحقبة على الصعيد الحضاري المركب وبالأخص منه الصعيد الأدبي وجدت عملي يواجه سلسلة متشابكة من المشاكل منها مشكلة اللغة ثم مشكلة البنيان الفني ثم مشكلة الحس المعاصر ثم مشكلة الخلفية والركيزة الاجتماعية أي إذا شئنا التعبير بقدر كبير حدا من التبسيط: مشكلة الوعي الداخلي والعالم الخارجي. وكان محور هذه المشكلة هو العثور على الصيغة التي تجد نوعا من التناسق الحرج الذي لا ينتهي أبدا إلى الاستقرار بين شقي هذه المعادلة ولنقل من البداية أنه لم يكن عندي ثمة بحث متعمد وعقلاني صرف كما أنه لم يكن عندي انسياق عفوي وسلبي لضغوط شقي المعادلة أي أن عملية الخلق الفني كانت عملية تلقائية تتكشف في سياق الخلق نفسه فتتبدى لها يقينية ما كأنها كانت قائمة منذ البداية، ولنعد الى البداية فنمس عنصر اللغة كان علي بالتزام نابع من عشق موله باللغة العربية أن أعيد اكتشافها لنفسي وأن أطوعها بحساسيتي التي أظل آمل طيلة الوقت أنها أيضا حساسية عصري أو جزء إليها تلك البراءة والجدة والكثافة مع احتفاظها بعراقتها ومن المفهوم بالطبع أن اللغة ليست أداة و لا سيدا وأنها أيضا لا يمكن فصلها عما تحمله في داخلها وتضيف إليه تنقله وتخلقه من رؤى وأبعاد ولا يمكن اقتطاعها عن كُلٍّ فني تتظاهر فيه وتنصهر عناصر شتى. فإذا جئنا إلى مشكلة البنيان كان من الواضح عندي أنه لا الأبنية التي عرفت بالواقعية. دعك بالطبع من الأبنية الكلاسيكية والرومانسية التي مرّ بها أدبنا القصصي في مراحل مراهقته و لا الأبنية التجريدية كانت تفي بما أريد أن أقول، بما يدعني إلى القول به كان علي أن أجد صيغة البنيان الذي يمتزج فيه الحلم بالواقع وصخر العالم الخارجي بهلامية وتدفق وسيولة العالم الداخلي بين ثبات المطلق والهروب المتصل للنسبي بين الزمن واللازمن، الوعي واللاوعي، صمت الطبيعة الميتافيزيقي وصرخة الوجه الإنساني. ومن ثم كانت مغامرتي في تكسير الأطر المألوفة في البنيان القصصي بحيث تكون قصتي أيضا هي قصتي وقصة مصر والعرب والحضارة التي أعيشها في وقت معا. هذا كما ترى مشروع طموح جدا لا أعرف إلى أي مدى ذهبت إلى تقصي أركانه ولكنني أعرف أنني أواصل دون وهن المضي في طريق لا غاية له بمعنى أني لا أعرف أين تقع غايتي. هذا كله ولم يغب عن ناظري ولا عن وعيي لحظة واحدة واقعنا التاريخي، بما يحتشد فيه من مرارة وانسحاق وما يجيش به في وقت واحد من هزات مخاض عنيف ومجيد."

لقاء أجراه: محمد الرفرافي/ تونس، 1973

إدوار الخراط من مواليد 1926، توفي مؤخرا في 1/12/2015

RAFRAFI