Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

vendredi, 14 janvier 2011

Soucis de terroir natal (5)

أخيرا

اتعظ، فرحل...

والأهم أن مكاسب التمرد الشعبي تبقى مصانة لكي لا تُعاد فبركة نظام قمعي بديل عن نظام بن علي المنهار

محمد الرفرافي 

 

Soucis de terroir natal (4)

 إنها ساعة الصفر

 الرئيس بن علي لم يتعظ بما حدث لسلفه بورقيبة الذي عزله بن علي نفسه وكنت بحكم مهنتي كصحافي في ذلك الوقت، اتصلت هاتفيا في باريس بزوجة الرئيس السابق وسيلة بن عمار، وكانت منفية في فرنسا بعد طلاقها من بورقيبة. طلبت منها رأيها في عزل من حكم تونس طوال 30 سنة، فكان ردها باللهجة التونسية كما يلي: "شفت يا وليدي، خلى نفسه يتهان في إخر عمره، ما حبش يكرم لحيتو بيدو قبل ما تدهور حالته ويتنحى بهالطريقة". كانت متألمة وهي تحدثني... واليوم أرى نفس الرئيس بن علي الذي أزاح سلفه بسبب تدهور حالته وتدهور حالة تونس معه، لا يتعظ من نفس التجربة و "يكرم لحيتو بييدو" ويعلن استقالته، فيخرج على الأقل من هذا التسونامي الجماهيري، بقرار شجاع بالاستقالة، فيحقق بذلك سابقة عربية ستحسب له وهي أن رئيسا عربيا استقال (وليس أقيل بانقلاب أو توفي) وذلك استجابة لإرادة شعب لم يعد يريده

إنها ساعة الصفر

 محمد الرفرافي

 

Soucis de terroir natal (3)

 LAAA.jpg.وأَلْفُ لاَ... لقد بات المشهد داميا على نحو مُرعب... قتلى بأدمغةٍ منفجرة وصدور مثقوبة بالرصاص... هل تونس في حرب؟! هل هي حربُ النظام على الشعب؟ لا شيء يبرر إطلاق النار بالرصاص على أيّ كان حتى ولو كان مُلثّما؟ حتى ولو سعى إلى التخريب؟ هذا كثيرا ما يحصل في كل تظاهرات واحتجاجات بلاد العالم... فرنسا عاشت قبل سنوات قليلة انتفاضات الضواحي، وكلها شبان ملثمون عقبتها قبل أشهر قليلة إضرابات واحتجاجات ضد تعديل قانون التقاعد، ومع ذلك لم يعمد الأمن الفرنسي إلى إطلاق الرصاص على أيّ كان. أينهم مُدْمِنُو التباهي بكون تونس بلد يفوق جيرانه تَحَضُّرًا؟ ماذا يعني حصار مدنٍ وقُرى، وقنْصُ من يتحرك حتى ولو سار في جنازة؟ أما إذا تأكدت حكاية مصدر قنابل الغاز المسيل للدموع من كونها مستوردة من إسرائيل وأن هذا الغاز هو من نوع يختلف بحدته لكونه مخصصا أساسا للحيوانات الشرسة (وهنا استحضر مقولة "الغوييم" التلمودية التي تعتبر كل من ليس يهوديا هو حيوان في قالب إنسان) آنذاك لا يصح أن نستغرب من استعارة المحتجين ومستعملي الانترنيت في تونس لشعارات وهتافات فلسطينية، تتردد فيه كلمات مثل "كتائب الشهيد محمد البوعزيزي" و"يا أبناء الانتفاضة المباركة" وغيرها من شعارات المقاومة الفلسطينية... ولعل أبلغ ما سمعته في هذا السياق من امرأة "قصرينية" فقدت أحد أبنائها فقالت: " فقدت ولدي ولكن لدي أربعة آخرون"... ألا يذكرنا هذا بما تقوله أمهات غزة؟ لا وألف لا... أن يُقْتَلَ التونسي برصاص ٍ "وطنِيّ ٍ" أو بغاز إسرائيلي، أن يُقْتَلَ الضعيف برصاص القوي، أن يُقْتَلَ البريء برصاص الجائر، أن يُقْتَلَ الشريف برصاص الخائن... لاَ وألْفُ لاَ...

 محمد الرفرافي

mardi, 04 janvier 2011

Soucis de terroir natal (2)

Ibn_Khaldoun.jpgJ’introduis ci-après une deuxième note écrite en arabe, ma langue maternelle. La raison est quasiment la même que celle déjà indiquée pour la première note publiée en arabe, ici même, voici 3 ans : ‎la teneur des notes écrites dans cette langue, intéresse, tout particulièrement, un ‎lectorat autochtone dont certains lecteurs sont uniquement arabophones.‎ j’en profite par ailleurs pour souhaiter aux amis et à mes visiteurs de passage une année 2011 plus humainement soutenable.‎/

يا سيدي بوزيد، أين منا ابن خلدون؟

 قال بعض السلف الصالح: ما تعاظم أحد على من دونه إلا بقدر ما تصاغر لمن فوقه

("أبو حيان التوحيدي، من كتابه"الإمتاع والمؤانسة)

 إذا كان حادث اغتيال وريث العرش النمساوي الأرشيدوق "فرانسوا فرديناند" سنة 1914 في سراييفو على يد طالب صربي، هو في حد ذاته، وعلى سبيل المثال، حادثا معزولا، إلا انه لم يمنع من إشعال فتيل الحرب العالمية الأولى. ذلك ما تعلمه جميعنا من درس التاريخ المقرر في برامج تونس التعليمية، ويضيف هذا الدرس مؤكدا أن هذا الحادث الذي كان فتيلا، لم يكن، مع ذلك، من بين أحد الأسباب العميقة وغير المباشرة لتلك الحرب الكونية الأولى.

 هذا النوع من المسلمات يغيب عن قصد أو عن غير قصد، من ذهن من يرددون اليوم أن حادث إحراق الشاب بوعزيزي نفسه في مدينة سيدي بوزيد، هو مجرد حادث معزول سعت جهات إعلامية مغرضة لاستغلاله متسببة في خلق موجة من الاحتجاجات في كل مكان. الغريب في هذا الاستنتاج هو أن أصحابه لا يتساءلون لماذا هذا الحادث بالذات الذي أثار شهية تلك الجهات؟ فالأحداث المعزولة كثيرة في كل وقت وفي كل مكان تقريبا؟ أما إذا كان السبب يتمثل في أن الحادث يتسم بصبغة رمزية علاوة على فظاعته، فهذا من شأنه إذن أن يستدعي على الأقل نفس الاهتمام الإعلامي الذي ناله تَكَاوِي هِيمُورِي، ذاك الرجل الياباني الذي قرَّرَ سنة 2002 أن يحتجَّ على جرائم إسرائيل وعلى حصار الرئيس عرفات، بإحراق نفسه في حديقة عامة في طوكيو، وقد تُوفي (وكان عمره 54 عاماً) متأثراً بحروقِهِ. 

 المهم هو أن حادث سيدي بوزيد الذي لم يتسبب على حد علمي في حرب أهلية في تونس ولا في حرب عالمية ثالثة، يستوجب وضعه في سياقه الصحيح كمؤشر على تراكمات اجتماعية-اقتصادية-سياسية، حان الوقت لإزالتها بدل البحث عن أكباش ضحية خارجية... 

 وقبل أن أتناول بالتعليق "أغنية" التحريض الإعلامي "المغرض" التي مازالت أبواق الخطاب الشمولي ترددها بينما نعيش عصر "مجتمع المعلومات" والمواقع الاجتماعية على الانترنيت مثل "الفايس بوك" و"تويتر" و"المدونات" ومواقع التسريبات مثل "ويكيليكس"، أراني مدفوعا إلى تذكير أصحاب حناجر تلك الأبواق خاصة منهم أولئك الذين يمرون يوميا بالقرب من تمثال العلامة ابن خلدون المنصوب في قلب العاصمة التونسية وبالتحديد وعلى نحو رمزي بين كاتدرائية العاصمة وسفارة فرنسا، أن أفكار هذا العلامة العملاق لا أثر لها في واقع تونس المعاش اللهم في الخطاب الأكاديمي وحسب. أما الممارسة السياسية والإعلامية فهي ما زالت بعيدة بل ومتأخرة بقرون عن الخطاب الخلدوني. 

 ومن بين مفارقات خطاب تلك الأبواق، وهو خطاب زعيم معارض رسمي، دعي للإدلاء بدلوه من قبل فضائية "معادية"، ما قاله هذا الزعيم مستنكرا "تهويل" هذه الفضائية للأحداث ومبررا في الوقت ذاته خلفيات ما حدث بكون تونس لا تنام على بحر من النفط أو الغاز وهو مبرر، أقل ما يقال عنه أنه إما ساذج أو مغرض، ويكفي لدحضه ما تعيشه الجزائر من أزمات اجتماعية اقتصادية مماثلة وهي دولة تنام على بحار من الغاز والنفط، ومن المفترض أن يكون هذا الزعيم المعارض مطلعا على الجملة الشهيرة التي أطلقها زميل له وهو زعيم معارض جزائري ثم تبناها ورددها بعده مسؤول جزائري رسمي، وهي أن "الجزائر عبارة عن دولة غنية وشعب فقير" 

 وحتى لا أظلم من ناحيتي ابن خلدون فأقحم بعضا من أفكاره قسرا في سياق قد يبدو للبعض معقدا وللبعض الآخر سياقا عاديا جاء كنتيجة لأزمة عالمية، ها أنذا اقتطف أجزاء من دراسة لخبير عربي اقتصادي معاصر وهو د. أسامة قاضي، الذي تناول أفكار هذا العلامة من زاوية مالية-اقتصادية-اجتماعية-سياسية، أراها كفيلة بأن تضع ما يكفي من ألوان على صورة الوضع التونسي الداكن والمعتم. ولا يحتاج ما سيلي إلى توضيح أو تدخل من قبلي لأن كلام ابن خلدون واضح وتوضيحات الخبير أكثر وضوحا. يقول الخبير: 

 هناك اعتبار أساسي وراء غنى الأمم التي عبر عنها ابن خلدون ب “سبب كثرة المال” فهو كعالمٌ اجتماعي موسوعي لم يغب عنه البعد الإنساني أثناء تحليله للقواعد الاجتماعية الحاكمة لنهوض الأمم وأهمها هو أن “كثرة العمران محفوظ برعاية العدل” لأن “المال بالخراج والخراج بالعمارة والعمارة بالعدل” والسبب الأساس في فقر الأمم أو “نقص المال” هو الظلم، وقد عدّه أولى أسباب فقر الدولة، وقال في الظلم “هو العدول عن العدل الذي به كثرة المال ونماؤه” هذا النماء قد يتعرض لآفات” أولاها الخدمات الزائدة عن الحاجة” والآفة الثانية تتجلى “في وجوه إنفاق السلطان الأموال” عن عدة طرق منها “كثرة نفقة السلطان في خاصته لانغماسه في نعيم الترف” أو ما يعرف اليوم بالفساد الإداري والآخر “في كثرة ما يحتاج إليه في عطاء الجند” أو بمعنى آخر تضخم حصة ميزانية الدفاع في الميزانية بحيث تفقر باقي القطاعات، وكذلك “كثرة أرباب الدولة لأخذهم بما أخذ السلطان” بحيث يستشري الفساد والمحسوبية إلى كل قطاعات الحكومة، وكذلك ضعف النظام الضريبي “ضعف الحامية عن جباية الأموال من الأعمال القاصية” وأما الآفة الثالثة فهي تجارة السلطان والتي عدّها من أعظم الآفات “المضرة بالرعية المفسدة للجباية”... أما الآفة الرابعة فهي “نقص عطاء السلطان” والمترجم بنقص الأجور، وقد أبدع ابن خلدون في إشارته إلى سبب قلة أو ضعف الأجور والتي ستكون سبباً في ضعف النمو الاقتصادي للبلد أو ما أسماه “نقص المال” وهذا الضعف التنموي سيكون من وجهين “أحدهما أن الدولة هي السوق الأعظم للعالم والمادة المتصلة لعمرانه فإذا احتجز السلطان المال أو فقده قلّ ما بيد الحامية وانقطع مأمنهم لأتباعهم فقلّت نفقاتهم التي هي أكبر مادة الأسواق، إذ هم معظم السواد، وذلك موجب للكساد وضعف أرباح المتاجر فتقل الجباية لضعف مادتها ويرجع وبال ذلك على الدولة من حيث قصر حسن النظر إليه” وبهذا الشرح الموجز استطاع ابن الأزرق (أبو عبد الله، شمس الدين الغرناطي)أن يطرح مقاربة لما طرحه جون مينارد كينز بعد أكثر من خمسة قرون، حيث تكاد تقارب نظرية التضخم المشتقة من التحليل الكنزي التي تسمى نظرية التضخم الناشئة عن جذب الطلب. 

 ويضيف الخبير متسائلا: 

 وكيف تحافظ الدولة على النشاط الاقتصادي والتنمية القائمة في البلاد؟ فكان أول ما أشار إليه ابن خلدون هو العدل لأنه “لا جباية إلا بعمارة ولا عمارة إلا بالعدل”... أما ما الذي يخل بحفظ العمارة فهو اختلال ميزان العدل لأن “العدل تحفظ به العمارة فالظلم يخل بحفظها” ويترجم الظلم في البلد من خلال “وضع الضياع في أيدي الخاصة” وكذلك يقوم المفسدون ” بالعدوان على الناس في أموالهم” لذا فإن ابن خلدون يزجي نصيحة ليت كل الحكام الفاسدين وأعوانهم يأخذوا بها “علينا أن ننزع الظلم عن الناس كي لا تخرب الأمصار وتكسد أسواق العمران، وتقفر الديار وخاصة وأن الشارع أشار في غير موضع إلى تحريم الظلم”... “إن نقص العمران بالظلم يقع بالتدريج” ويتوقف طول وقصر زمن الخراب “حسب كبر حجم المصر” ويتوسع في مسالة الظلم التي يراها المرض المستحكم في الدولة الفاسدة بقوله “يقع الخراب بالظلم دفعة واحدة عند أخذ أموال الناس مجاناً والعدوان عليهم في الحرم والدماء. ويقع الخراب بالتدريج 

 وينتهي الخبير إلى الاستنتاج: 

 إن خلاصة مقولة ابن خلدون تقتضي تحقيق العدالة لأنها مصدر التنمية الاقتصادية الحقيقية وبها فلاح الأمم ونهوضها، ولقد بشر ابن خلدون الحكومات التي تضطهد شعوبها بحجج سياسية واقتصادية بأن مصيرها الانحطاط والزوال... ولكن السؤال الأهم هل يسود العدل الدول الإسلامية الـ57 التي لا يتمتع منها بالحريات المدنية والسياسية سوى خمس دول فقط، ويعيش معظمها تحت خط الفقر، فأين حكامنا من مقولات ابن خلدون؟

 هذا بعض ما جاء في قراءة الخبير المعاصر لفكر ابن خلدون الاقتصادي والاجتماعي، وما استنتجه شخصيا هو أن هذا العلامة المحسوب على تونس لا أرى أفكاره تحظى في بلده بذاك الاستيعاب الكافي، طبعا ليس من طرف الأكاديميين، وإنما من طرف النخب السياسية والاجتماعية المتعاقبة على هذا البلد على الأقل منذ انفصاله عن فرنسا. وبدون تأويل اقتصادوي أو ماركسي، فإن رؤية ابن خلدون لما هو اجتماعي-سياسي لا تنفصل عن البعد الاقتصادي الذي يشكل تقريبا عصب هذه الرؤيا أو قل ركيزة للتطور العمراني تاريخيا. وما يقوله ابن خلدون لا ينطبق على تونس فحسب بل على كافة أقطار المعمورة، المتقدمة منها والمتخلفة، النامية منها والنائمة، لأن ما يقوله حول مفهوم العدل وعلاقته بالسلطان (المعنوي والمادي)، إنما هو الموضوع المزمن الذي يحكم سياسات حكومات العالم منذ أثنيا إلى واشنطن. 

 هذا الخلل العمراني بالمعنى الخلدوني، تجلى بشكل صارخ في أحداث سيدي بوزيد التي كانت تعتبر في العهد البورقيبي من أفقر مناطق تونس، والتي من المفترض أنه بعد 23 سنة تحول وتغيير، أن يكون الوضع قد تغير وتحول أي تطور وتقدم. إلا أن الحقيقة المرة، وباعتراف رسمي من قمة السلطة، أن الساحل قد نما على حساب الداخل، فأين هو هذا التحول والتغيير إذن إذا كانت دار لقمان على حالها على مدى أكثر من عقدين؟ ما رأي أصحاب تلك الحناجر القوية المرددة صباحا مساء تلك العبارة الشعاراتية "التحول المبارك"؟ كيف يمكنهم أن يفسروا هذا الواقع المزري الذي جثم على مناطق الداخل حتى انفجر نارا واستنكارا شعبيا؟ أين أنصار الحزب الحاكم في هذا الداخل التونسي الذين ما فتئوا يرددون أن تونس للجميع وأن "التجمع" حزب الجميع؟ ألا يكفي هذا دليلا على مساوئ استفراد حزب واحد بالسلطة محليا ووطنيا وإقصاء أحزاب تكون حقيقة معارضة وقادرة، بوسائل إعلامية حرة ومستقلة، على فضح ما يجب فضحه وليس أحزاب "اعتراضية" (كجملة قصيرة في فقرة طويلة) أحزاب مشاركة بالتهام فتات الكعكة الوطنية؟

 هذا الخلل "الخلدوني" كان جليا منذ فترة طويلة، وكمؤشر عليه يكفي ذكر ظاهرة "الحرقان" التي بدأت بالموت غرقا لكي تصل على يد بوعزيزي بالموت حرقا. 

 وقبل أن اختم هذه التدوينة الثانية المكتوبة استثنائيا بلغتي الأم (ذلك أن موقع هذه المدونة خصصته أساسا لمخاطبة الرأي العام الفرنسي والفرانكفوني، بحكم إقامتي الطويلة في فرنسا، لأكثر من ربع قرن) أعود إلى موضوع الإعلام، وكما سبق أن أشرت إليه في التدوينة الأولى، اعتبر أن مصداقية أي إعلام حتى وان كان رسميا (حكوميا) هي مرهونة بمدى مهنية هذا الإعلام، والعكس صحيح. هذا ما نلحظه في عمل الإعلام الحكومي الغربي مثلا والذي بصفته الحكومية (étatique)، أو العمومية (publique)، فهو لا يدين بالولاء للحكومة (gouvernement) وإنما فقط للدولة (l'État) بكل مؤسساتها الإدارية والاجتماعية والسياسية، الحاكمة منها والمعارضة، والمتناوبة على الحكم بالاقتراع العام.

 صحيح أنه بعد أكثر من نصف قرن استقلال ما زلنا للأسف في الصفحة الأولى من كتاب الديمقراطية بل قل في صفحة الغلاف الذي حولناها إلى إيقونة للتبرك والتباهي الساذج. لهذا لا غرابة في أن نرى ما يطلق عليه جزافا "وسائل إعلام" في تونس، هي عبارة عن أدوات ترفيه ودعاية وتعتيم. وإلا ما معنى أن يبحث التونسي المقيم في وطنه أو خارجه عن وسائل إعلام أخرى لكي يطلع على ما يجري في وطنه; ماذا يعني ارتفاع مستوى معيشة المواطن إذا ما بقي فقيرا إعلاميا يطرق أبواب الآخرين كالمتسول بحثا عما يروي غليله؟ وهنا أتذكر بمرارة قولة أحدهم لي ذات صباح تونسي، وهو يمسك بصحيفة: أية إعلام هذا ! إنه إعلام كِي الظْلاَمْ

محمد الرفرافي

mardi, 07 novembre 2006

Soucis de terroir natal

medium_Satellite_image_of_Tunisia_in_August_2001.2.jpgExceptionnellement, j'introduis ci-après une note écrite dans ma langue maternelle, l'arabe. La raison est ‎simple, cette note parle d'une date, celle d'aujourd'hui, qui célèbre le 19ème anniversaire du "Changement du ‎‎7 novembre 1987" en Tunisie, mon pays d'origine. La teneur de cette note intéresse tout particulièrement un ‎lectorat autochtone dont certains lecteurs sont exclusivement arabophones.‎ ‏--------‏

 

 

 

 

التغيير:لماذا،كيف وإلى متى؟
 
سألني أحدهم ذات يوم من أيام العهد البورقيبي: هل أنت معارض؟ فأجبته: نعم أنا معارض بالثّلاث. ‏فقال: كيف ذلك؟ قلت: أنا معارض للنظام ومعارض للمعارضة ومعارض للشّعب. فردّ مستغربا: ‏للشّعب؟ فقلت: ولم لا؟ مادام هذا الشعب مازال متخلفا على كذا صعيد، فكيف لا أعارضه؟ فتلاشى ‏استغرابُ محدثي قليلا قبل أن يُجدِّدَ السؤال قائلا: طيّب، وكيف أنت معارض للمعارضة؟ فقلت: لأن ‏خطابها خطاب سلطة ولو مُؤجلة، خطاب إطلاقي أو إقصائي...‏ هذا الحوار أسوقهُ لتوضيح مبدأ كنتُ وما زلت حريصا على إتباعه لكي أحقق كمبدع ومثقف حر، ‏نوعا من الاستقلالية الايجابية تجاه المؤسسة السياسية –الرسمية منها والمعارضة- ولكن دون انقطاع ‏أو قطيعة، وأيضاً استقلالية إيجابية تجاه نبض الشارع ولكن دون تعال أو تجاهل. ‏ اليوم، وتونس تبدأ عامها العشرين بعد السابع من نوفمبر 1987، أجدني أقف لأقرأ تفاعلي مع هذه ‏التجربة التي كنت فيها قريبا-بعيدا، يراني فيها بعضهم منتميا ويراني آخرون معارضا. منتميا لأني ‏لم يسبق أن انخرطت في حركة معارضة –سلمية كانت أو عُنْفِية- ومعارضا لأني لم أحمل يوما ‏بطاقة التجمع الدستوري الديمقراطي (الحزب الحاكم). لا أنوي الانخراط هنا في عملية مسح تاريخي ‏لمسيرة النظام الحالي ولا لمساري الشخصي على مدي نحو 20 سنة خلت. لكن سأكتفي بالتوقف ‏قليلا عند محطات ثلاثة اعتبرها مفاصل أساسية في تقاطع مسيرتي بالمسار العام.‏
محطات
‏ المحطة الأولى كانت حماسية وواعدة. حيث ما أن تم الإعلان عن عزل الرئيس الأسبق الحبيب ‏بورقيبة وبداية ما سمي بالعهد الجديد تحت شعار التغيير، حتى تنفست الصعداء مع غالبية مثقفي ‏أبناء جيلي الذين عانوا معي طويلا من وطأة الخطاب البورقيبي الأبوي الزجري، ومن مضايقاته ‏الأمنية الغُفلى تجاه المثقفين. وعلى مدى العامين الأولين لم أرَ، لا في باريس ولا أثناء تواجدي ‏المتواتر في تونس مَنْ استهجن هذا التغيير وأقصد هنا مِن أفراد النخبة المُثقفة غير البورقيبية، وليس ‏من نخبة النظام البورقيبي التي سايرت التغيير تماشيا مع صانع هذا التغيير أي الرئيس بن على الذي ‏كان هو نفسه على رأس حكومة النظام السابق، بل والابن البار الذي استلم المشعل من أبيه الروحي ‏من غير أية مواجهة دموية مع أي كان. هذه المحطة الأولى التي عايشتها كغيري من المثقفين، ‏شهدت بُعْدا مهنيا في تفاعلي معها وكان ذلك عبر العمل كمراسل سياسي من باريس لصحيفة الحرية ‏‏(لسان التجمع الحاكم) لمدة أشهر قليلة انتهت باستقالتي منها احتجاجا على تدخلات أحد المسؤولين ‏المخضرمين بشكل تسلطي وفَجّ في عملي كمراسل صحفي له تجربة على المستوى العربي ‏والأوروبي كافية لكي يعمل بحرية مسؤولة دون وصاية أو توجيه. هذا الأمر جعلني ألاحظ بأن ‏العقلية السائدة رسميا لم تتغير حتى ولو كان الشعار هو التغيير.. طبعا كان ذلك أحد المؤشرات وثمة ‏غيرها مما ليست شرطا ذات مساس مباشر معي.. لكن كلها كانت تشير إلى عائق أساسي كان ‏ملازما لتجربة وطنية جديدة نادت بالتغيير وهي معتمدة على بعض أناس لا حاجة لهم به بل ومنهم ‏من قاوموه حفاظا على مكاسبهم السابقة..‏ ابتعادي دام نحو خمس سنوات تفرغت أثناءها لمعايشة الحدث العربي (حرب الخليج الثانية) ‏وتداعياته الأوروبية بشكل خاص.. إلى أن استرجعت في أواسط التسعينات (القرن الماضي) خيط ‏التواصل مع تونس ولكن عبر الثقافة هذه المرة. وكانت تلك هي المحطة الثانية. إذ ما أن لبيت دعوة ‏لحضور ندوة عقدها فرع اتحاد الكتاب التونسيين في مقر التجمع في باريس حتى فوجئت بتنوع ‏الحضور من حيث الانتماءات والتوجهات بل وحتى إدارة فرع الاتحاد كانت تضم أعضاء من أغلب ‏التيارات (عدى الإسلاميين) ومن أسماء ذات سمعة عربية وأوروبية..وباقتراح البعض وبإلحاح ‏البعض الآخر، انضممت ككاتب وشاعر، ولأول مرة في حياتي، إلى اتحاد الكتاب التونسيين - فرع ‏أوروبا ومنه إلى "اللجنة الثقافية التونسية" في باريس.. وبذلك شاركت في بعض التظاهرات الثقافية ‏في كل من باريس وتونس.. ثم سرعان ما بدأت المفارقات تتضخم خاصة عندما تم اختياري رئيسا ‏لفرع الاتحاد وأيضاً للجنة الثقافية.. ولأن التفاصيل المثيرة كثيرة قد تحتاج لوحدها توثيقا أخرَ ‏وتوقيتا آخر، اكتفي بالقول أني سرعان ما انسلخت عن اللجنة الثقافية بسبب تدخل فرع التجمع في ‏باريس على نحو تسلطي وفرض أشخاص من الجالية اليهودية التونسية المقيمة في فرنسا ممن لا ‏علاقة لهم بالثقافة كنشاط أو ممارسة.. ومن إحدى نتائج هذا الانسلاخ تحفظ وزارة الثقافة آنذاك في ‏اقتناء نسخ من ديواني الشعري المنشور سنة 1996 في باريس (راجع العمود الأيمن من هذه ‏المدونة) وفق الكمية المقررة رسميا (300 نسخة) وهو حقٌّ لي ككاتب تونسي تمّ هضمُهُ بشكل ‏مقصود. كما انسلخت عن فرع اتحاد الكتاب بسبب سياسة رئاسة الاتحاد في تونس التي كانت تتعامل ‏مع الفرع وكأنه وكالة أسفار مُلْحقة بفرع التجمع في باريس.. ولم ينفع اتحاد كتاب تونسيي أوروبا ‏المستقل الذي أسسته بمعية غالبية أعضاء الفرع المنسلخين هم أيضاً عنه، في استعادة التواصل ‏الثقافي مع تونس. إذ باستثناء تظاهرة يتيمة تمت في باريس بمساعدة مشكورة والحق يقال من "وكالة ‏الاتصال الخارجي" بتونس، لم يتمكن هذا الاتحاد المستقل، من الصمود بسبب انعدام الإمكانيات (وكم ‏دفعت من جيبي الخاص من أجل سير عمل هذا الاتحاد المستقل، بل وسبق أن حصل لي ذلك أيضاً ‏مع الفرع) وأيضاً بسبب مناورات رئاسة الاتحاد في تونس آنذاك التي اعتبرت الاتحاد الجديد بمثابة ‏انقلاب أبيض على الاتحاد الأم (المُسّير بعقلية الأب) فاستمالت بعض أعضاء الاتحاد الجديد والنتيجة ‏كانت انفلاش هذا الأخير، الشيء الذي دفعني أيضاً إلى تعليق عضويتي في اتحاد الكتاب في تونس. ‏ورغم ذلك مازال الموقع الالكتروني لهذا الأخير يضع اسمي كرئيس لفرع الاتحاد في أوروبا.‏‎‏‎ ‎ المحطة الثالثة والأخيرة كانت هي أيضاً نسبيا قصيرة (1999-2001). وقد شهدت مسعاي إلى جعل ‏مجال الإعلام أداة تواصل من جديد مع الساحة التونسية. وتجلى ذلك عبر مساهمتي في صحيفة ‏‏"الصريح" التونسية الأسبوعية المستقلة (والتي صارت يومية فيما بعد)، وهنا أثمن دور صاحبها ‏الكاتب والإعلامي الكبير الصديق صالح الحاجة. كما تجلّى عبر إدراج تونس في حلقات برنامج ‏‏"فضاء الأنوار" الثقافي الذي كنت أعده وأقدمه على شاشة قناة "شبكة الأخبار العربية" (إي آن آن) ‏التي تبث من لندن. وأيضاً عبر خدمات إعلامية وفنية خصّصتها لبعض المهرجانات الثقافية ‏وبخاصة مهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية وأيضاً مهرجان المدينة. وربما كتتويج لهذا ‏التواصل مساهمتي مع بعض الإعلاميين التونسيين في باريس، ومنهم أصحاب إذاعات محلية، في ‏حملة ترشيح بن على لانتخابات الرئاسة سنة 1999. كانت مساهمتي مبنية آنذاك على إقتناعين ‏أساسين: أولا أنها كانت آخر ولاية لابن على قبل أن ينقح الدستور لاحقا وثانيا أنه لم يتبلور بديل ‏معارض ببرنامج سياسي واضح ومغاير وحتى خطابات المرشحين المنافسين لم تكن آنذاك سوى ‏صدى لخطاب مرشح التجمع. والمصدر أولى من صداه.. كنت أراهن أيضاً آنذاك على أن تتسع ‏دائرة التعددية لتشمل تيارات أكثر جذرية وتسفر الولاية الأخيرة لبن على عن تحول حقيقي نحو ‏الديمقراطية التعددية.. لولا ما طرأ من أحداث دولية جسيمة وأولها أحداث 11 سبتمبر مما أعاد خلط ‏الأوراق من جديد، داخليا وخارجيا. وكي أنهي معطيات هذه المحطة الثالثة أقول إنها انتهت أيضاً ‏بشيء من الإحباط الذي حدث على إثر ضياع 4 حلقات من برنامجي "فضاء الأنوار" كانت وكالة ‏الاتصال الخارجي قد تكفلت بإيصالها إلى قناة (إي آن آن) في لندن ولكنها لم تصل. وقد كانت ثمرة ‏جهد تواصل بضعة أشهر وشمل نشاط لشخصيات فلسطينية فنية كانت في زيارة لتونس.‏ ‏
مكاسب
‏ المغزى من استعراض هذه المحطات هو محاولة لتبيان موقعي كمثقف تونسي اختار العيش في ‏الهجرة لا لكي ينفصل عن منبعه كليا بل للتفاعل معه بهدف إثرائه بأقصى ما يمكن من الاستقلالية ‏الايجابية.. وربما استعمالي لهذه المدونة لنشر هذا الموقف، إنما يأتي كتحقيق فعلي لهذه الاستقلالية، ‏دون الحاجة للجوء لأي جهة إعلامية قد أُحْسَبُ عليها أو قد تتحفظ على بعض ما أقوله.. ومن هنا ‏أجدني أتحمل وحديَ وبكل حرية مسؤولية ما أقول..‏ في الواقع ومنذ بداية السبعينات عودت نفسي وأنا شاب، على اعتناق القضايا التي تتجاوز حدود ‏واقعي المباشر، وبالتالي انطبع الخطاب البورقيبي في ذهني وكأنه خطاب عائلي وأحيانا بروفينسيالي ‏وفي أحسن الأحوال دولي، ولم أكن أشعر قط أنه يترجم إحساسي العميق بهويتي العربية-الإسلامية، ‏مع أن بورقيبة كان في الستينيات هو الذي زكّى التجربة الجزئية في تعريب التعليم (أدبيا وعلميا) ‏وكنت أنا أحد المنتفعين من هذه التجربة وكان الأستاذ راشد الغنوشي (زعيم حركة النهضة حاليا) ‏أحد من درَّسَنِي الفلسفة الإسلامية في فترة (الستينيات) كان النظام البورقيبي يناصر فيها قضية السيد ‏قطب ضد جمال عبد الناصر. لا أنوي الاستفاضة هنا في سرد وقائع نظام بورقيبة، وهي معروفة، ‏وإنما فقط لكي أصل إلى ما وجدته ايجابيا في مسار تجربة السابع من نوفمبر. ومن ذلك على سبيل ‏المثال وليس الحصر، إعادة عقارب الساعة التونسية إلى زمنها العربي-الإسلامي: إعادة فتح جامعة ‏الزيتونة (بعد أن أغلقها بورقيبة)، تكريس الطابع التراثي في مجال الإعمار، تعريب متنامي لإدارة ‏الكثير من القطاعات الحيوية، تكثيف العلاقات الثقافية مع العالم العربي، عدم الانخراط في سياسة ‏المحاور العربية (كما فعل بورقيبة سابقا) وأبرز مثال على ذلك موقف بن على من حرب الخليج ‏الثانية.. وعلى صعيد شخصي استطيع أن أجزم بأني، وعلى عكس ما عشته في ظل نظام بورقيبة، ‏لم أتعرض في كل زياراتي لتونس، لأي مضايقات من أي نوع كانت حتى لما كنت في أوج خلافاتي ‏مع بعض من جاء من تونس إلى باريس ليمثل التجمع أو الإدارة التونسية وهو يتخيّل أنه على مثقفي ‏تونس (القلائل في باريس) أن يهرعوا إليه بدل أن يأتي هو إليهم وفق مُهمّته التي يتقاضى عليها ‏أجراً من أموال دافعي الضرائب في تونس. بالمناسبة، وتأكيدا لما سبق لي أن ذكرته في البداية، ‏هناك أيضاً من المعارضين من له نفس العقلية، إذ كيف يعمد أحدهم إلى تأسيس تجمع أو حزب في ‏المهجر ولا يسعى للاتصال مع مثقفي بلده على الأقل للاستفادة من آرائهم حتى ولو كانت مغايرة، ‏خاصة حين يختار كلمة تجمع لاسم تنظيمه.. فمن يريد أن يجمعَ إذن؟ طبعا لا يكفي ما سُقْته قبل قليل لأن يكون صكَّ اعتراف بسياسة نظام في ظل وضع يتداخل فيه ‏المحلي بالإقليمي والإقليمي بالدولي.. كما أن السلبيات التي يمكن أن أسوقها لا تُبرر هي الأخرى ‏وضع النظام برمّته وعلى مدى نحو 20 عاما من الحكم في دائرة اللاشرعية المطلقة. وتكفي عبارة ‏‏"كما كنتم يولى عليكم" لكي لا يفصل الواحد منا نظاما عن كوادره الأصغر وعن قاعدته وعن باقي ‏أفراد الرعية المنسحبة أو المسحوبة من ساحة المواطنة وبالتالي من ساحة الرأي العام المؤثر كما ‏هو الحال في البلاد العربية.. ومع هذا ورغم عدم معايشتي المستمرة لسياسة النظام لا من داخله ولا ‏من داخل البلاد، ورغم اقتناعي بأن ما من بلد عربي يمكن أن يتميز بأي شيء في سياق عربي بائس ‏وسياق دولي مضطرب، فإن لديَّ، في هذا اليوم الذي تدخل فيه تونس "التغيير" بداية عامها العشرين، ‏كثيرا من التساؤلات والانشغالات، ومن ذلك مثلا: هل هناك تغيير يدوم عشرين سنة؟ ألا تتعارض ‏الديمومة مع التغيير؟ ألم يأت السابع من نوفمبر لكي يلغي أساسا "التأبيد" البورقيبي؟ لكن ما دامت ‏زمنية أعمار الشعوب قد تبرر ما يمكن أن يبدو طويلا في عمر الفرد، فيجدر طرح أسئلة من نوع ‏آخر تتناول صلب التجربة في شموليتها.. ومن ثم طرح البدائل استنادا إلى مكاسب يجب عدم ‏التفريط فيه ومكاسب أخرى يجب تحقيقها. وهذا مسعى على قوى سياسية أن تطرحه إذا فكرت في ‏طرح نفسها كبديل.. أما دوري كمثقف يهتم بالسياسة (في مقابل السياسي الذي يهتم بالثقافة) فقد ‏يقتصر على نقد بعض الظواهر التي تبدو ذات دلالة أو إجراءات ذات أهداف محددة.. مع استبعاد ما ‏يحلو لبعض المعارضين المهووسين والغاضبين الهامسين ترديده في كل مناسبة حول بعض تفاصيل ‏‏"حياة الرئيس الشخصية" أو "دور عائلته في اقتصاد البلد" وهي في ظل غياب ما يكفي من الشفافية ‏اهتمامات مستندة على الإشاعة أكثر منها على شيء آخر، فضلا عن كونها لا تؤخر أو تقدم في ‏شيء، مثلها مثل إطلاق الشتائم الأخلاقية.‏ ‏
من النشرة إلى النهضة
‏ حين أشاهد من موقعي خارج تونس النشرة الجوية على شاشة قناة سبعة وأرى كيف تبدو البلاد ‏التونسية خضراء أكثر من حقيقتها الطبيعية عبر خريطة القمر الصناعي أتساءل من هو المسؤول ‏العبقري الذي يستبله القاصي والداني، الكبير والصغير ويعمد إلى تخضير الخريطة وفق ما يمليه ‏عليه النفاق والادعاء الكاذب؟ هل هكذا يتم نشر صورة تونس عبر فضائية دولية على من باتت ‏خريطة العالم في متناولهم مباشرة وبالتفصيل الدقيق على شاشات حواسيبهم. ألا يشكك هذا التزويق ‏في مصداقية الإعلام الرسمي فيشمل تزويق حقائق أخرى؟ وحين أفتح موقع التلفزة التونسية ‏الالكتروني وأجد أن الفرنسية هي اللغة الوحيدة لعرض برامج القناة أتساءل من هو العبقري الآخر ‏الذي اختار لغة (أي الفرنسية) ترتيبها السابع في شبكة الانترنيت على لغة (أي العربية) ترتيبها ‏الخامس؟ أين ذهب التعريب؟ وهل ما زال هناك في دوائر الإعلام الرسمية من يحن للمقيم العام ‏الفرنسي؟ وما ألمانع من تعدد اللغات، بما في ذلك الفرنسية، في هذا الموقع الخدماتي؟ حتى فرنسا ‏نفسها اضطرت إلى إصدار قانون (قانون توبون) يمنع استعمال لغات أجنبية على واجهات المحلات..‏ وبالاقتراب أكثر من الساحة التونسية التي لم انقطع عن زيارتها.. أجدني ألْصَقَ بهموم أكثر خطورة ‏وذات علاقة بواقع الأمن الاجتماعي المتفاقم عكْسا مع الأمن السياسي.. حين أعلم أن أربع صبايا ‏فقط من عائلة واحدة التي هي عائلتي، تعرضت كل واحدة منهن على حدا في وضح النهار إلى ‏عملية سلب تحت تهديد سلاح أبيض من طرف قطاع طريق، ثم اكتشف فيما بعد، وبفضولي ‏الصحفي أن هذه الظاهرة باتت شائعة وشبه منظمة بل وكثيرا ما تتم بالتواطؤ مع بعض أعوان الأمن ‏الجشعين، إلى حد أنها تحولت في حالات أخرى إلى عمليات هجوم جماعي بما يشبه السيوف على ‏راكبي وسائل نقل عمومي أو على أناس في تجمعات أفراح الزفاف. حين أعلم ذلك أقول: صحيح أن ‏تونس تفادت بقبضة أمنية حديدية انزلاق شارعها نحو عنف سياسي إسلامي مسلح على الطريقة ‏الجزائرية، لكن ماذا عن هذا العنف الاجتماعي الذي تحول إلى آفة لا تقل خطورة عن العنف ‏الآخر.. وحين أسمع من مسؤول أمني صغير أن استجابة تونس لمطالب منظمات حقوق الإنسان ‏الدولية حتم عليها التعامل برفق مع الموقوفين (المفترض السياسيين منهم) وكان الحديث حول قاطع ‏طريق جيء به مدمي الوجه والأطراف على أيدي من مسكوه، فتم إطلاق سراحه وتوقيف هؤلاء ‏بدلا عنه.. أقول تونس "الآمنة" إلى أين تسير؟ أليس أجدى بأعوان الأمن التركيز على قُطّاع الطرق ‏بدل ملاحقة فتيات متحجبات لأسباب لا علاقة لها في رأيي بالطائفية وإنما بدوافع إيمانية صادقة أو ‏بدوافع أخلاقية من أجل الزواج أو كتعويض رمزي عن تعبير سياسي مصادَر مدنياً..‏ هذا الموضوع يقودني رأسا إلى ما تضمنه خطاب الرئيس بن على قبل 3 أيام والذي أكد فيه على ‏ضرورة الحوار بين الحضارات والثقافات والذي يراه "خير درع للحفاظ على الثراء الإنساني ‏ولتعزيز القيم المشتركة وحمايتها" لأتساءل ما ألمانع إذن في فتح مثل هذا الحوار أيضاً بين مختلف ‏التيارات الفكرية والسياسية والعقائدية داخل البلد الواحد.. وأن تنخرط تونس على مدى سنة التغيير ‏العشرينية القادمة في عملية مصالحة واسعة وهادئة مع كل من يُبدي استعدادا لذاك من مختلف القوى ‏السياسية غير المعترف بها ومن ضمنها حركة النهضة التي في اعتقادي لا يمكن تصنيفها ضمن ‏حركات العنف المسلح على الأقل على ضوء مواقف وتصريحات زعيمها راشد الغنوشي والتزامه ‏بقوانين بريطانيا التي تحتضنه. وللتوضيح أقول أن حديثي عن الغنوشي لا يعني بأية حال قيام أي ‏علاقة بيني وبينه عدى تلك التي أشرت إليها أعلاه وآخر عهدي به كان في إطار عملي الصحفي بعد ‏أن أفرج عنه الرئيس بورقيبة مع الحبيب عاشور في سنة 1981. وهذا لا يعني طبعا أني أتحاشى ‏ملاقاته خوفا من أي كان، بل ورغم اختلافي العقائدي معه فهو يحظى من قبلي بما يستحق من ‏الاحترام الشديد الذي لا يمكن أن يُحظى به قاطع طريق تونسي أو قاطع طريق دولي متنكرا في دور ‏وزير خارجية إسرائيلي.. وعلى ذكر هذا الأخير، أقول خاتما هذا التداعي المؤلم-المريح، إنّي آمل ‏أن تكون السنة العشرينية للتحول سنة قطع الطريق أمام حُجّاج إسرائيل لكنيسة الغريبة في جزيرة ‏جربة إلى أن يتم حل قضية القدس وأن تبقى فقط مفتوحة لسكان تونس من اليهود.. وأن من يرغب ‏من يهود إسرائيل من أصل تونسي في زيارة تونس أن يأتيها ليعيش فيها وألا يعود البتة إلى أرض ‏إسرائيل التي هي بالأساس أرض مشردين فلسطينيين في الشتات.‏ ‏                                                                        محمد الرفرافي ‏------------ ‏تحديث: بعد ساعات قليلة من نشر هذه التدوينة، وصلني خبر إطلاق سراح نحو أكثر من 50 شخص من قياديي وأعضاء حركة النهضة ‏التونسية، بعد قضاءهم مُدَدَا طويلة في السجن وصل بعضها إلى أكثر من 15 سنة. ولا يسعني هنا إلاّ أن أثمن عاليا هذه المبادرة التي تُبشر ‏بما دعوت إلى تحقيقه في هذه التدوينة في خصوص المصالحة الشاملة.‏

RAFRAFI

19:55 Publié dans En arabe | Lien permanent | Commentaires (3) |  Facebook | |